لا طعام ولا دواء.. غزة تموت ببطء تحت حصار خانق
لا طعام ولا دواء.. غزة تموت ببطء تحت حصار خانق

21 سبتمبر | تقرير خاص
في قطاع غزة المحاصر، لا يسقط الناس فجأة، بل يموتون ببطء، تحت وطأة الجوع، والمرض، وانهيار تام في مقومات الحياة.
أكثر من 2.4 مليون إنسان محاصرون في قطاع تنهشه الأنقاض والمجاعة يواجهون كل يوم واقعًا تتعمق فيه المجاعة، ويترسخ فيه الدمار ، وسط حصارٍ لا يعرف الرحمة، وعدوانٍ لا يتوقف.
من الأطفال الذين يموتون بسبب سوء التغذية، إلى المرضى الذين تُغلق في وجوههم أبواب العلاج، ومن المستشفيات المهدمة إلى مخيمات النزوح الموبوءة، ترسم غزة اليوم مشهدًا إنسانيًا هو من أشدّ كوارث العصر فظاعة وصمتًا.
المجاعة تحصد أرواح الأطفال
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة عن استشهاد 67 طفلًا حتى الآن بسبب سوء التغذية الحاد، فيما يواجه أكثر من 650,000 طفل تحت سن الخامسة خطر المجاعة المباشرة، من أصل 1.1 مليون طفل يعيشون في القطاع.
وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن 96% من سكان غزة يعانون انعدام الأمن الغذائي، ما يعني أن أكثر من مليون وربع مليون شخص يواجهون جوعًا كارثيًا في واحدة من أخطر الأزمات الغذائية عالمياً.
هذا النقص الحاد في الغذاء لا يودي بحياة الأطفال فحسب، بل يضعف مناعتهم، مما يفتح الباب أمام انتشار الأمراض المعدية ويهدد صحتهم النفسية والجسدية.
تشير الدراسات إلى أن 45% من أطفال غزة يعانون من سوء التغذية المزمن، فيما ترتفع معدلات فقر الدم إلى أكثر من 60%، مما يؤثر على نموهم البدني والعقلي بشكل بالغ الخطورة.
مستشفيات على شفا الانهيار
أدت إجراءات العدو الإسرائيلي في منع دخول الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية الصحية، حيث توقفت خدمات غسيل الكلى في مجمع الشفاء الطبي، مما أدى إلى وفاة 41% من مرضى الفشل الكلوي، في مأساة إنسانية كبيرة.
كما يعاني أكثر من 11,000 مريض سرطان من الحرمان من العلاج، وتوفي 513 مريضًا نتيجة منع السفر لتلقي العلاج خارج القطاع.
وتشهد غزة انتشارًا واسعًا للأمراض المعدية، مثل الحمى الشوكية والسحايا، خصوصًا في مخيمات النزوح المكتظة التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الصحية.
المستشفيات تعاني نقصًا في 47% من الأدوية الضرورية، وتعمل فقط 45 غرفة عمليات من أصل 312، مع نقص حاد في المعدات الطبية.
حاليًا، تعمل 9 محطات أوكسجين فقط من أصل 34 بشكل جزئي، مما يهدد حياة آلاف المرضى.
ودُمرت أكثر من نصف المنشآت الصحية في شمال القطاع، وتفتقر المناطق المحاصرة إلى أي مستشفيات، بينما أدت الاستهدافات المتكررة للمستشفيات والكوادر الطبية إلى فقدان العديد من الأطباء والعاملين الصحيين.
الحصار كأداة إبادة ممنهجة
إغلاق المعابر ومنع دخول الغذاء والدواء والوقود يشكل جريمة حرب ترتكب أمام مرأى المجتمع الدولي، الذي لا يزال عاجزًا أو متواطئًا أحيانًا.
الحصار يستخدم كوسيلة للتهجير القسري، إذ أجبر العدو الصهيوني آلاف الأسر على النزوح جنوبًا في ظروف إنسانية مأساوية.
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان وصف منع الوقود عن مستشفيات شمال غزة بأنه “أداة قتل ممنهجة”.
بالإضافة إلى ذلك، أدى القصف الصهيوني المباشر لمراكز الإيواء والمدارس والأسواق إلى سقوط أكثر من 300 شهيد خلال 48 ساعة، أغلبهم من النساء والأطفال.
مراكز توزيع المساعدات.. معاناة مضاعفة وسط عنف متصاعد
مراكز توزيع المساعدات في غزة تعرضت إلى قصف صهيوني مباشر أسفر عن استشهاد 652 شخصًا وجرح أكثر من 4,537 منذ بدء عمل هذه المراكز في مايو 2025.
وكشفت تقارير عدة عن استخدام ممارسات عنيفة داخل هذه المراكز، حيث وثقت “أسوشيتد برس” استخدام موظفين أمريكيين قنابل صوتية ورذاذ الفلفل ضد المدنيين المنتظرين، مما زاد من معاناة السكان وأعمق جراحهم.
البعد النفسي والإنساني.. معاناة لا تُحتمل
يعيش الأطفال في غزة بين جوع قاتل وعدوان متواصل وظروف معيشية قاسية داخل خيام مكتظة لا تحمي من الحر أو المرض.
ينتشر الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة بينهم، مع تأثيرات سلبية على نموهم النفسي والسلوكي.
حيث وتعاني الأمهات والأسر من فقدان الأحبة والتدمير، مما يزيد من عمق الأزمة الإنسانية في القطاع.
نداء عاجل للمجتمع الدولي.. كسر الحصار وإنقاذ حياة الملايين
تشير كافة التقارير الدولية، ومنها بيانات الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، إلى أن قطاع غزة يمر بأزمة إنسانية طارئة تستوجب تحركًا دوليًا عاجلاً.
على المجتمع الدولي، وعلى رأسه الدول الكبرى التي تدعم الحصار الصهيوني أو تغض الطرف عنه، أن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية لإنقاذ حياة الأطفال والأسر في غزة.
غزة.. جرح مفتوح في ضمير البشرية
لا تموت الأرواح فقط في غزة، بل تنهار منظومة كاملة من القيم والحقوق تحت أنقاض الصمت الدولي والتواطؤ المكشوف..ما يجري في غزة ليس مجرد أرقام في تقارير المنظمات، بل مجازر يومية تُرتكب بحق أطفال جائعين ومرضى محاصرين وشعب أعزل يُحاصر حتى في لقمة عيشه.
إنّ إنقاذ ما تبقى من حياة في غزة هو واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون مسؤولية سياسية أو قانونية، وكل لحظة تأخير تعني مزيدًا من الشهداء، ومزيدًا من الخزي على جبين العالم.
غزة لا تنتظر الشفقة، بل كسرًا للحصار، ووقفًا للعدوان الصهيوني، ومحاسبة للمجرمين.













