اخبار محلية

في ظل مخاوف المملكة من تخلي الحلفاء عنها: الإعلام الغربي يطلق النار على السعودية

بعد أن كانت السعودية محط إعجاب غالبية الصحف الغربية، إذا لم نقل الكل، تُرى، ما الذي استجد حتى تصبح المملكة في مرمى نيران الصحافة الغربية؟ لا سيما الأمريكية والبريطانية.

 

حسين الجنيد

في هُجُومٍ غيرِ مسبوق شَنَّت وسائلُ الإعلام الغربية حملةً موجَّهةً ضد نظامِ المملكة، للدرجة التي جعلت بعض المراقبين والمحللين السياسيين يتوقعون أن البيت الأبيض مَن يقف خلف تلك الهجمة، فالإعلام الغربي ليس بالحرية المطلقة التي يظنها الكثيرون، بل يرتبط ارتباطاً عضوياً بتوجهات السياسات الأمريكية للبيت الأبيض، وقادة الدول الغربية وفق مفهوم “الدولة العميقة” والتي ترسم استراتيجيات مصالح هذه الدول وتسخير كُلّ الأدوات لتحقيق تلك الاستراتيجيات وعلى رأسها الإعلام. في حين يؤكد بعض المحللين السياسيين أن السياسات الخاطئة التي تنتهجها القيادة السعودية الحالية وعلى رأسها محمد بن سلمان المراهق السياسي والمقامر، حسب ما وصفته الكثير من وسائل الإعلام الغربية، هي السبب الرئيس في استهجان الإعلام الغربي وشن هذه الهجمات ضد النظام السعودي.

الإعلام الأمريكي

في حوار أجرته شبكة “سي إن إن” تحت عنوان “دعم أمريكا للمملكة العربية السعودية يعتبر سيفاً ذا حدين” مع المحلل السياسي فريد زكريا، الذي لخص المشكلة أن دعم الولايات المتحدة الأمريكية للسعودية والعديد من الأنظمة في المنطقة العربية غذّى ظهور التعصب الإسلامي والإرهاب، وهنا تنبغي الإشارة إلى أنّ محطة الـ سي إن إن لا تستضيفُ شخصاً يوجّه تحليلاته صوب الهدف الذي تختاره المحطة للانتقاد، إلا إذا كانت تسعى من وراء البرنامج تسليط الضوء على ذلك الهدف وفق أجندة موجَّهة لمهاجمته إعلامياً ورسم صورةٍ مشوشةٍ له في ذهنية متابعي المحطة.

في حين، صحيفة “نيويورك تايمز”، الأقرب إلى البيت الأبيض، نشرت في افتتاحيتها وصفاً عنونت فيه إعدامُ السعودية لمواطنيها بـ”العمل البربري”، ونشرت في صفحة مقالات الرأي، (وهذه الصفحة غالباً ما يتم تخصيصها للرأي الآخر المخالف لرأي الصحيفة)، مقالةً أُخرى بعنوان: “لعبة السعودية الطائفية الخطيرة”، فمن النادر جداً أن تخالُفَ الصحيفة سياستها في النشر، حيث يتفق توجه افتتاحيتها مع مقالات الرأي الأخر، حيث اتفق كلاهما على توجيه الانتقاد للنظام السعودي.

أما صحيفة “واشنطن بوست”، أفرد أكبَرُ الكتّاب فيها، ونائب رئيس تحريرها “ديفيد إغناتيوس” مقالته الأُسبُوعية للهجوم على المملكة، والتي نشرتها الصحيفة تحت عنوان “التخبّط المكلف لقيادة السعودية التي يسيطر عليها القلق”، وقد كان مقالاً لاذعاً لسياسات التخبط التي تنتهجها المملكة في الآونة الأخيرة.

الصحافة البريطانية

وعلى ذات الطريق حذت الصحافة البريطانية حذوَ رفيقاتها من الصحف الأمريكية، في انتقاد ومهاجمة النظام السعودي، بل تعدت سقف الصحافة الأمريكية، حيث ألقت الصحافة البريطانية اللوم على النظام السعودي بشكلٍ مباشر في العديد من الملفات الإقليمية المتأزمة، وعلى رأسها العدوان على الـيَـمَـن، إذ انتقدت الصحف البريطانية حكومة بلادهم لاستمرار تصدير الأسلحة إلى السعودية والتي تسهم بشكلٍ مباشر في تدمير الـيَـمَـن وقتل الكثير من الأبرياء. حيث عنونت صحيفة “الجارديان” افتتاحيتها “تصدير السلاح للسعودية لعنة تهدد كاميرون”، انتقدت فيها سياسات ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني إزاء السعودية، بمواصَلة بيع حكومته للسعودية الأسلحة والصواريخ رغم معرفتهم بتورط السعودية في حربها على الـيَـمَـن بارتكاب جرائم حربٍ واستهدافٍ مباشرٍ للمدنيين. وأشارت الصحيفة في افتتاحيتها بأن عدم تعليق الحكومة البريطانية لترخيص تصدير السلاح للسعودية، يجعلها متواطئةً في ارتكاب جرائم حرب هناك.

كما عنونت صحيفة الـ “إندبندنت افتتاحيتها “الضربات الجوية السعودية التي استهدفت الـيَـمَـن، تقوض أي أملٍ في التوصُّل إلى سلامٍ في الشرق الأوسط”، وتضمنت الافتتاحية هُجوماً لاذعاً طال النظام السعودي بذاته وصفته حيث قالت: “إن السعودية ليس لديها أيَّةُ فكرةٍ عن الديمقراطية الليبرالية، كما أنها تميَّزت ببربريتها المتمثلة في جلد المدوّن السعودي “رائف بدوي”؛ بسبب نشره آراءَه الخَاصَّـة على الإنترنت، وإعدام النمر لم يكن سوى الوجه الحقيقي القبيح لهذا النظام البربري”، وأشارت الصحيفةُ في سياق افتتاحيتها “إلى أن الضربات الجوية السعودية التي كانت تهدف لدعم الرئيس الـيَـمَـني، أثبتت فاعليتها في إزهاق أرواح المدنيين” مضيفةً أن “الفوضى العارمة تعُمُّ أرجاءَ العديد من مناطق الـيَـمَـن، وضحايا الغارات الجوية وصل حد القول إنها جرائم ابادة”، واختتمت الصحيفةُ افتتاحيتَها بالقول “إن السعودية لا تستحقُّ أن تربَحَ في أيَّةِ معادلة”.

الصحف الفرنسية

وبعدَ تفجيرات باريس في أواخر العام الماضي، بدأت الصحافة الفرنسية بشنِّ هجومٍ قويٍّ على الوهابية وعلى النظام الحاضن لهذا الفكر الذي وصفته بالإرهابي والإجرامي، وأخذت الهجمة الإعلامية بالانحسار حتى جاء إعدامُ الشيخ النمر ليرفَعَ من مستوى تلك الهجمات، فقد نشرت صحيفةُ “لوبوان الفرنسية” في عُمودها الأهم مقالاً بعنوان “السعودية حليف غير مستقر”، حيث تناولت قلق الحكومة الفرنسية المتوافق مع القلق الأوروبي إزاء تداعيات إعدام الشيخ النمر، وقالت الصحيفة “إن السعودية أعدمت الشيخ الشيعي النمر ببرود، بينما طلبت من العالم أَن يتحالف معها لقتال داعش دون أن تحاكم النمر بشفافية”، وهاجمت الصحيفة أسلوب الإعدامات الذي تنتهجه السعودية ضد معارضيها، مشبهةً ذلك الأسلوب بطريقة داعش في التعامل مع كُلّ من يعارضها حيث قالت: “كيف تريد السعودية قتال داعش وهي تقوم بإعدام معارضيها السياسيين ورجالات الدين بطرق العصور الوسطى، وبنفس طريقة داعش الوحشية بقطع الرؤوس”.

من جهتها انتقدت صحيفة “ليزيكو” الفرنسية السياسية الاقتصادية السعودية، وقالت الصحيفة تحت عنوان “متى ستفلس المملكة العربية السعودية؟”: إن الاحتياطات المالية للسعودية ستنفذ بحلول عام 2020؛ بسبب انخفاض أسعار النفط، والإنفاق العسكري والالتزامات الاجتماعية، وأوضحت الصحيفة أن الانخفاض السريع في الأسهم المالية السعودية دفع الحكومة إلى رفع أسعار الوقود بنسبة 50%، مرجحةً أن القادم هو توقف دعم الماء والكهرباء وتجميد مشاريع البناء، وأردفت الصحيفة أن الرياض تدرس لأول مرة فرض ضريبة 5% على القيمة المضافة.

وأشارت الصحيفة إلى أن عجز الموازنة وصل إلى 19% من الناتج الإجمالي في العام الحالي، مضيفة أن مجمل مبيعات النفط لا تغطي سوى نصف تكاليف مصروفات المملكة، مما سيدفع الرياض إلى الدين أو اقتراض المال من احتياطاتها، ما سيقضي على احتياطات السعودية المالية خلال الأربع سنوات المقبلة على حد قول الصحيفة.

ورأت الصحيفة أن انهيار أسعار النفط ليس السبب الوحيد، فالمواجهة مع إيران للهيمنة على المنطقة أثّر على الاقتصاد السعودي، والحرب التي تخضوها في الـيَـمَـن لعبت الدور الأبرز في التأثير على اقتصادها، حيث وَأن العملية لا تسير على ما يرام من الناحية العسكرية؛ لأن القدرة التشغيلية ضعيفةٌ للجيش السعودي، الذي يحوز على 11% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا رقم قياسي عالمي.

الصحافة الألمانية

في حين تنافست العديدُ من الصحف الألمانية والمراكز البحثية والقيادات السياسية والاستخبارية على مهاجمة السعودية بشكلٍ ممنهج حتى برز نائب المستشارة الألمانية، ووزير الاقتصاد والطاقة “زيجمار جابرييل” الذي تصدر المشهد بعبارته الأقوى “مضى زمن التغاضي عن دعم السعودية للمساجد التي تنشر التطرف وَالأفكار الوهابية فِي ألمانيا”، في حين جاء هذا التصريح بعد أيامٍ قليلةٍ من شن جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية هجوماً ناعماً على السعودية، حينما سرب تقريراً لصحفٍ ألمانيةٍ بعينها يصف فيه السياسة السعودية بأنها مندفعةً خارجياً، حيث كتب “باتريك كوبيرن” في مقالٍ نشرته صحيفة الإندبندنت تحت عنوان “الأمير السعودي الساذج المتعجرف يلعب بالنار” استعرض فيه مُذكّرةً استخباراتيةً تنتقد وليَّ وليِّ العهد السعودي، حيث يشير الكاتب إلى أن الاستخبارات الألمانية نشرت مُذكّرةً نهاية العام الماضي توضح الخطر من وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأن الرياض تعتمد سياسةً متهورةً في الآونة الأخيرة.

ونقلاً عن كوبيرن، فإن المذكرة وصفت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان “أنه سياسي مقامر يعمل على شل العالم العربي من خلال تورطه بحروبٍ بالوكالة في سوريا، وحروبٍ مباشرةٍ في الـيَـمَـن، وقال كوبيرن: إن وكالات التجسس لا تقوم بالعادة بالكشف عن مثل هذه المعلومات والوثائق لوسائل الإعلام وتنتقد فيها حليفا قويّاً ومقرباً لها كالسعودية، وأضاف أن تحذيرات وكالة الاستخبارات الألمانية تعد إشارةً على زيادة المخاوف من “أن السعودية أضحت ورقةً غير مضمونة”.

هذا وقد أعربت صحيفة “دير شبيجل” الألمانية عن مخاوفها من مشاركة القوات السودانية في العدوان العسكري على الـيَـمَـن والتي استقدمتها السعودية مقابل المال، خَاصَّـةً وأنّ هذه القوات مسئولةٌ عن ارتكاب المجازر في إقليم دارفور.

وقالت الصحيفة الألمانية: “إن السعودية وبعد سبعةِ أشهرٍ من الحرب التي تقودها في الـيَـمَـن، مازالت تواصل دفع المال للدول الإفريقية الفقيرة لتشارك معها في هذه الحرب، خَاصَّـةً من السودان، والتي يُنْتَظَرُ وصول وحداتٍ منها إلى ميناء عدن لتلتحق بالقوات السودانية الموجودة حالياً هناك”.

أسباب الهجمة الإعلامية

ويرى بعض المراقبين أن الأسباب الرئيسة في شن تلك الهجمات الإعلامية تتلخص في عدة عواملَ لعل أبرزها هجمات باريس الإرهابية التي أثارت حفيظة المجتمعات الغربية تجاه التطرف الإسلامي، والذي لعبت الوهابية الدور الأبرز في تذكيته وتصعيده، والتوجُّهات السياسية المتسرعة والمغامرة التي تنتهجها قيادة المملكة الحالية خصوصاً على مستوى حرب النفط التي شنتها السعودية تجاه الدول المنتجة للنفط الصخري لإخْرَاجها من معادلة التنافس، وحربها على الـيَـمَـن والتي اقترفت فيها العديد من جرائم الحرب، ولكن العامل الأبرز تمثل في توقيع الدول الغربية الاتفاق النووي مع إيران، حيث ترى الدول الغربية في إيران بديلاً وَشريكاً محتملاً أفضل من السعودية، ويمكن أنْ يحل البترول الإيراني محل السعودي، ولذلك فهم يرون أنه لا داعي لغض الطرف بعد الآن، عن سياسات السعودية المتعلقة بدعمها للفوضى في الشرق الأوسط. وفي تقريرٍ نشره موقع العصر الإخباري تناول التنسيق بين فريق الرئيس باراك أوباما وكتلة الكونغرس الداعمة للاتفاق النووي مع إيران، تضمن تسريباتٍ حول أطروحاتٍ للرئيس أوباما، أن مصلحة بلاده تكمن في إعادة صداقتها مع إيران، صاحبة الحضارة القديمة، وأن علاقة الولايات المتحدة بالدول العربية، بما فيها دول الخليج، مرهِقة ومكلّفة لواشنطن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق