مقالات

رسالة سياسي مصري لليمنيين بعد نصف عام من الحصار والعدوان

قلنا لهم ليست لعبة أو نزهة وليست رحلة قنص”
هو من رد على سؤوال المذيعة بالنفي القاطع والقول إن اليمن محاصر لا يدخله حتى رغيف الخبر عندما سألته مذيعة النيل الإخبارية عن دعم إيران لمن يسمونهم بالحوثيين فما كان منه إلا القول اليمن محاصر براً وبحراً وجواً فمن أي يأتي الحوثيين السلاح ؟

إنه أحمد عز الدين أحد المحللين السياسيين المصريين الذين أتخذوا موقفاً مناهضاً للعدوان بل ذهبوا لتقديم النصيحة للنظام المصري بعدم الإنجرار وراء ما تريده المملكة .

اليوم عز يتحدث في رسالة خاصة لليمنيين بالقول :

(1)
السلام عليك أيها اليمن ..
السلام على أرضك وقد كانت منبع العروبة ، وشريانها الدافق الأول الأصيل .
السلام على سمائك ، وقد كانت سلالم مجدٍ ، وأجنحة أساطير ، وأعمدة تاريخ جزيرة العرب ، من أول الزمان إلى آخره ، ومن منبت الأرض إلى علّيين .
السلام على حدائق الثقافة العربية المثمرة في ربوعك ، وقد كانت ورودها اليانعة زينة للناظرين .
السلام على أهلك الأكرمين ، الذين لم يشتروا السلامة بالرضوخ ، ولم ينحنوا لصواعق النار ، وهي تتساقط كسفا من السماء ، ولم يخونوا صخور الجبال الشامخة التي تخللت أرواحهم ، وكأن عزائمهم قد قُدّت من صلابتها.
السلام على روح العروبة الصافية ، وروح الإسلام النقية ، إذا ما تعانقتا ، وتداخلتا في سبيكة واحدة ، لا انفصام في مركّبها الحضاري الفريد .
السلام على البكارة التي تشبه قلب الموجة العالية ، في قلب العاصفة والمحنة والزلزلة .
(2)
السلام عليك أيها اليمن ، وقد تكسّرت النصال على النصال ، في جسدك النازف بكبرياء ، الصامد دون إدعاء ، الواقف وحده كالرمح ، لا تكسره العواصف ، ولا تصده الأنواء .
السلام على هذا الدم الشهيد ، الذي يُذبح من الوريد إلى الوريد ، تحت أنقاض البيوت الآمنة ، وفي زحام الأسواق الرثة ، وفي الشوارع القديمة المختنقة .
السلام على دم أطفال لا يدركون ، من قتلهم ، ولماذا ؟ ، وعلى نساء يحتضن صغارهن وكأنهن يردن أن يعيدوهم إلى أحشائهن ، خوفا من سكاكين الموت المشرعة .
هذه مدن وليست طوابق من شمع .
هذه شوارع وليست قطعا من الصلصال .
هذه بيوت وليست مكعبات من الورق .
هذه جسور وليست جبالا .
هذه أسواق لشراء ملابس العيد ، وليست مرابض نيران ، وقواعد صواريخ.
هؤلاء شيوخ ونساء وأطفال ، وليسوا رسوما في لوحة بألوان مائية لم تجف.
هذا لحم بشري وليس شواء على فحم متّقد .
هذا دم حيّ ، وليس أباريق مملوءة بالعصير .
(3)
السلام عليك أيها اليمن .
السلام على هذا الدم الشهيد ، الذي لا ينبت إلا غابات باسقة من الثأر ، وجبالا شاهقة من الانتقام ، وبحورا مفتوحة من الكراهية .
السلام على الأجيال القادمة ، التي ستخرج من برك هذا الدم ، تماسيح مفترسة ، لا تستعيد سكينتها إلا ببرك دم أكثر سخونة واتساعا ، تتمدد على شواطئ الخليج .
السلام على هذا الدم الشهيد ، ولا سلام على الذين لا يدركون أن الدم كالحقيقة ، لا تخيفه شاشات الإعلام الكذوب ، ولا تغطية أوراق الصحف المشتراة ، ولا يردمه تراب الوقت ، ولا يغطيه ضباب الأيام ، وعواصف الأزمنة .
لا سلام على أولئك المخادعين المأجورين الذين يبيعون ذهب أوطانهم ، بغبار سلطة لا قواعد لها ، ويتدثّرون ثياب المحررين ، وهم العبيد ، ويعلقون أوسمة الشجاعة على صدورهم ، ليغطوا بها قلوبا عليها أقفالها .
لا سلام على أولئك الذين يمدّون من ظهورهم جسورا ، كي تعبر عليها القوة الغاشمة ، إلى قبور أمهاتهم ، وملاعب طفولتهم ، ومساكن أهليهم وذويهم ، لا سلام عليهم ، وهم عنوان معركة قتل العربي للعربي ، والأخ الشقيق للأخ الشقيق ، لا سلام عليهم ، ولا مستقبل لهم ، وإن توهموا أنهم الناجون والمفلحون ، فحصاد أعمالهم وأيامهم ، لن تكون غير حصاد الهشيم .
(4)
السلام عليك أيها اليمن .
قلنا لهم أنها ليست لعبة ، وليست نزهة ، وليست رحلة قنص .
قلنا لهم أن السيوف التي تلمع في ألعاب الصيد ، وحفلات الشواء ، وطوابير الزينة ، لا تصلح للمبارزة .
قلنا لهم أن اليد التي تطلق الطلقة الأولى ، ليست اليد التي ستطلق الطلقة الأخيرة .
قنا لهم أن الحكمة السياسية أم الحكمة العسكرية ، فإذا غابت الأولى ، غابت الثانية بالضرورة .
قلنا لهم أن التكنولوجيا المشتراة المستعارة ، ليست بديلا صالحا للأيديولوجيا ، التي نبتت أشجارها في تربة الأرض ، وارتوت بمائها .
قلنا لهم أن فرض الاستسلام غير المشروط بالقوة ، بتوسيع مدى القصف والدمار والحرائق ونزيف الدم ، لا يفرض استسلاما ، ولا يحقق سلاما ، لأن الاستكبار في العنف ، والإمعان في غطرسة القوة ، يملأ بنيان الرفض بزاد لا ينفد ، وبطاقة غضب تتجدد كلما أصبح اللجوء إلى القتل والتدمير ، هو القانون الأعلى للحرب .
قلنا لهم أنتم تفتحون أفقا للقاعدة ، وتبنون صروحا لها ، وتحولون الجنوب كله إلى دولة للفوضى ، وإلى دولة لداعش ، تتمدد بين حضرموت وشبوه والمهرة وأبين ولحج .
وهكذا ، فالمشهد أمامكم ناطق ، ليس في المكلا عاصمة حضرموت ، التي لُغّمت وفُجّرت فيها كافة المعالم التاريخية والتراثية والدينية ، بعد أن عاشت تتنفس آمنة قرونا من الزمن ، وإنما في عدن نفسها التي غدت ساحة لأعمال السلب والنهب ، ومعسكرا مفتوحا للفوضى ، منقسما على نفسه ، ولاءا ونفوذا بين أمراء الإرهاب ، الذين يطبقون شرائعهم حسب نفوذهم في الأحياء والشوارع والحارات ، ويعلقون رايات الفتنة ، حسبما تمددت قواهم ، واتسع مدى أسلحتهم ، التي تطورت من البنادق الآلية إلى الدبابات الأمريكية ، ليصبح ميدان الصدام القادم في دائرة أوسع بكثير من حدود اليمن .
قلنا لهم ، لكنهم لم يسمعوا غير أصوات الطامعين القادمين من وراء البحار والمحيطات ، وإلا أصوات المغرضين الذين يريدون مقعدا زائلا للحكم ، فوق بحور من الدماء ، وتلال من الجماجم ، قلنا لهم لكنهم أسرفوا في أمرهم ، فارتدت أعمالهم ، تصدعّا ، يؤذن بالدخول في طور احتضار طويل .
(5)
السلام عليك أيها اليمن ..
لا بديل الآن عن أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، فلم يعد مقبولا ولا معقولا ولا مشروعا ولا عادلا ، أن نسمي ” داعش ” و ” القاعدة ” بـ ” قوى المقاومة ” ولم يعد مقبولا ولا معقولا ولا مشروعا ولا عادلا ، أن نطلق على أدوات القصف والهدم ” تحالفا عربيا ” هذا ليس تحالفا عربيا ،
لا بالواقع ولا بالدلالة ولا بالمعنى ، ليس فقط لأن العروبة أقدس من أن تتحول إلى منصة لإبادة شعب وهدم دولة ، وليس فقط لأن العروبة ، أطهر من أن تتحول إلى سلالم يتسلقها هذا الغرب المأزوم المفلس ، بحواسه الاستعمارية المستيقظة ، ليقتات على لحم عربي ، ويرتوي من دم عربي ، ويسرق كنوزا عربية ، وإنما فوق ذلك ، لأن من الكُفْر بالعروبة ، أن نضعها مع الصهيونية في وعاء واحد ، ومع الإمبريالية في تجمع واحد ، ومع الاستعمار في طرف معادلة واحدة ، وأن نطلق وصف العروبة على نقائضها ، في القول والفعل والأخلاق ومنظومات القيم .
لا بديل الآن عن أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، فلم يعد مقبولا ولا معقولا ولا مشروعا ولا عادلا ، أن نطلق على هدم أحياء بأكملها ، وعلى تدمير عشرات المستشفيات والمدارس والمصانع والأسواق ودور العبادة ، والجسور والمتاحف ، أنه من قبيل أعمال القتال ، لأننا نمنح استخدام القوة المسلحة مشروعية ، هي نقيض ما جاهدت البشرية على مر العصور ، لأنسنة ظاهرة الحرب ، بالفصل الجازم بين المدني والعسكري ، وبين الحكومات والشعوب ، ولأننا فوق ذلك ، إنما نبني قاعدة جديدة ، لإعادة تقدير حسابات أوزان الأدوار ومعاييرها في الإقليم ، على قاعدة القوة المجردة ، لا على الاتساق التاريخي مع بنية المنطقة ونسيجها الحضاري والثقافي والمجتمعي .
لا بديل الآن عن أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ، هذه حرب ذات قناع طائفي ، لكنه كلما احترق القناع وظهر ما تحته ، كلما تم تجديده والإضافة إليه ، وهكذا تم حشر الطائفية البغيضة حتى في أسماء المعارك ، فمعركة ” مأرب ” المفصلية ، أطلقوا عليها اسم ” السيل الجرار ” وهو اسم بالغ القدم ، كان عنوانا لكتاب فقيه سنّي يمني هو الإمام ” الشوكاني ” ولم يكن غير ردّ على كتاب فقيه زيدي هو الإمام ” بن يحى المرتضى ” كان عنوانه ” حدائق الأزهار ” ، ولو وقع ” أنصار الله ” في هذا الفخّ الطائفي ، لأطلقوا على ردهم الصاروخي في ” مأرب ” اسم ” العطمطم الزخار ” وهو عنوان كتاب كتبه ” السماوي ” ردا على ” السيل الجرار ” الذي كان بدوره ردا على “حدائق الأزهار” ، ليتحول الصراع من صراع فكري مجرد ، إلى صراع طائفي بالحديد والنار ، لتقوم الفتنة ، ويتعمق الانقسام ، حتى ينقسم كل ضرع على ضرعه .
لهذا فأننا لسنا أمام حرب طائفية ، وإنما أمام قناع طائفي ، لحرب هدفها استكمال الانقلاب الاستراتيجي الشامل في أوضاع الإقليم ، والذي بدأ بالفتح الاستراتيجي الأمريكي لضرب العراق ، وتواصلت مراحله في ، تونس وليبيا وسوريا ، بصيغ أخرى ، وهشمّت واجهته مصر ، شعبا وجيشا .
غير أن أحدا لم يستعد لتلك الحكمة المتعددة المستويات ، التي اطلقها مع بدء العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان ” فان ديتيان جونج ” قائد حملة ” تشى منه ” وصاحب الانتصار الكبير في فيتنام ، لقد كان المستوى الأول لهذه الحكمة ، يقول بلغة تقريرية صافية : ” إن القوة العسكرية الأمريكية لن تتمكن من كسر شوكة طالبان والقاعدة ” ، وكان المستوى الثاني يقول : ” إن هذه الحرب لن تطفئ الحقد بل ستزيد من اشتعاله ، وستفجر أحقادا ” ، أما المستوى الثالث فكان سؤالا مفتوحا هو : ” كيف سيخرجون من هناك ؟! ” .
(6)
السلام عليك أيها اليمن ، والسلام على نصب الجندي المصري المجهول في صنعاء ، ولعلّه ما زال سالما بين شظايا القنابل العنقودية ، وروائح الموت التي تسري في الشوارع والأحياء ، ومن المؤكد أن اليمن يتذكر في ذكرى ثورته ، أن هذا الجندي المصري لم يأت غاصبا ، ولم يأت طامعا ، ولم يأت محتلا ، وإنما جاء محررا ، ومدافعا عن ثورة حقيقية ، وكما جاء مدافعا عن استقلال اليمن ، وحرية إرادته ، جاء زارعا للحداثة والثقافة والتعليم والمدنية ، لأن مصر لم تخرج يوما من حدودها غاصبة أو معتدية ، ولأن مصر في تاريخها المتضاعف الطويل ، لم تتحول يوما واحدا ، إلى أمة لصّة .!
(7)
أيها المارون في زمن صعب .
ليس صعبا أن تمرّوا ..
أيها المارون في زمن وغد .
بمقدوركم أن تمرّوا ..
أعبروا بحر الرمال والرصاص والدم .
فثمة شاطئ آخر في نهاية الممر ..
يقف الموت عنده عاجزا .
ويقف التاريخ عنده شاهدا ..
” أفتمارونه على ما يرى ” ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com