رمضان غزة.. صومٌ تحت النار وانتظار بلا نهاية
رمضان غزة.. صومٌ تحت النار وانتظار بلا نهاية

21 سبتمبر | تقرير خاص
لم يدخل شهر رمضان إلى قطاع غزة هذا العام بوصفه مناسبة روحية ينتظرها سكان القطاع، بل حلّ للعام الثالث على التوالي فوق واقعٍ مثقل بالعدوان والحصار ودمارٍ ما تزال تداعياته حاضرة في كل زاوية من الحياة اليومية.. ومع بداية أول أيام الشهر الفضيل، يصوم الشعب الفلسطيني وسط مدن مدمّرة، ونزوح واسع، وخدمات شبه منهارة، فيما لم تتحول الهدنة المعلنة إلى استقرار حقيقي يخفف من وطأة الأزمة الإنسانية المستمرة.
لا يشهد الغزيون هذا الشهر بداية مرحلة جديدة بقدر ما يواصلون فصلاً طويلًا من المعاناة، حيث أصبح انتظار المساعدات، وإعادة الإعمار، ووقفٍ فعلي للعدوان، جزءًا ثابتًا من تفاصيل حياتهم اليومية.
رمضان بلا مظاهر
في أحياء واسعة من غزة، اختفت ملامح الشهر التي اعتادها السكان لعقود.. الأسواق محدودة، الكهرباء شبه غائبة، ومئات آلاف العائلات تقيم داخل خيام أو مبانٍ مدمرة جزئيًا بعد أن فقدت منازلها خلال العدوان المستمر منذ أكتوبر 2023.
وتشير تقديرات إنسانية إلى أن أكثر من 90% من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الغذائية، بينما تحوّلت موائد الإفطار لدى كثير من العائلات إلى وجبات طارئة توفرها المؤسسات الإغاثية، في وقت ما تزال فيه آلاف العائلات تبحث عن مفقودين تحت الركام.
الإبادة التي خلّفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد عن 171 ألف جريح، تركت فراغًا إنسانيًا واضحًا في كل بيت تقريبًا، ليأتي رمضان محمّلًا بذكريات الفقد بدل طقوس الفرح.
هدنة هشة
رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، تواصلت الخروقات العسكرية خلال الساعات الأولى من رمضان، حيث استشهد فلسطينيون في خانيونس جنوب القطاع، بالتزامن مع قصف مدفعي وعمليات نسف جديدة لمبانٍ سكنية وإطلاق نار تجاه المناطق الشرقية.
ووفق معطيات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفع عدد الشهداء منذ إعلان الهدنة إلى أكثر من 600 شهيد ونحو 1600 مصاب، ما يعكس واقعًا ميدانيًا يؤكد أن الهدوء المعلن لم يتحول إلى أمان فعلي للسكان.
أزمة صحية تتفاقم
القطاع الصحي في غزة يواصل العمل بقدرات محدودة وسط نقص حاد في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يهدد آلاف المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة والجرحى.
وفي محاولة لمنع كارثة صحية أوسع، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن نحو 16 ألف طفل دون سن الثالثة تلقوا التطعيم خلال الشهر الماضي ضمن حملة دولية لحمايتهم من أمراض خطيرة، في ظل تزايد مخاطر انتشار الأوبئة نتيجة تدهور خدمات المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات إلى مستويات وصفتها الأمم المتحدة بأنها حالة طوارئ صحية.
ورغم هذه الجهود، ما يزال آلاف الأطفال عرضة لمخاطر صحية متزايدة مع استمرار الحصار وصعوبة إدخال الإمدادات الطبية بشكل منتظم.
رمضان تحت القيود
بالتوازي مع مأساة غزة، دخل شهر رمضان في القدس وسط إجراءات مشددة طالت المسجد الأقصى، شملت منع إدخال وجبات الإفطار للصائمين، وتوسيع قرارات الإبعاد بحق المقدسيين والعاملين في المسجد.
كما فرضت سلطات العدو قيودًا على أعداد المصلين القادمين من الضفة الغربية، وحددت الفئات العمرية المسموح لها بالدخول، في وقت جرى فيه تمديد ساعات اقتحامات المستوطنين للأقصى خلال الشهر الفضيل، في خطوة أثارت تحذيرات من فرض واقع جديد يمس الوضع التاريخي والديني للمسجد.
تصعيد متزامن
ولم يقتصر التصعيد على غزة والقدس، إذ شهدت مدن الضفة الغربية اقتحامات واعتقالات وهجمات للمستوطنين تزامنًا مع بداية رمضان، أسفرت عن إصابات بين الفلسطينيين، إضافة إلى استمرار عمليات هدم المنازل.
وفي الداخل الفلسطيني المحتل، سُجلت حوادث قتل وإطلاق نار خلال الساعات الأولى من الشهر، ما يعكس حالة توتر أمني واجتماعي متصاعدة بالتوازي مع استمرار الحرب.
صمود يومي
رغم المشهد القاسي، يحاول الفلسطينيون الحفاظ على ما تبقى من روح رمضان.. أطفال يصنعون فوانيس بدائية من بقايا البلاستيك، وعائلات تتقاسم ما توفر من طعام، فيما يواصل المسعفون والطواقم الطبية عملهم وسط إمكانات شحيحة وظروف بالغة الخطورة.
رمضان في غزة هذا العام لا يُقاس بعدد موائد الإفطار أو زينة الشوارع، بل بقدرة الناس على الاستمرار، والصمود، وانتظار نهاية إبادة لم تتوقف آثارها رغم إعلان الهدنة.
ففي قطاع يعيش بين الدمار والترقب، يبدو الصيام هذا العام أقرب إلى صبرٍ جماعي طويل.. أكثر منه طقسًا موسميًا عابرًا.






