
21 سبتمبر | تقرير خاص
مع شروق يوم غدٍ الأربعاء، يدخل شهر رمضان إلى قطاع غزة، لكنه لا يأتي كضيف مرحب به، بل كمرآة تعكس حياة مثقلة بالدمار والحصار والفقد، في مدن منهكة وبيوت تحولت إلى ركام، وفي خيام مهترئة تؤوي آلاف النازحين، يستقبله الغزيون للمرة الثالثة على التوالي وسط القصف والجوع وانعدام الأفق، فيما تواصل قوات العدو الإسرائيلي خرق الهدنة، لتظل الحياة في القطاع رهينة الخوف والموت والفقد.
رمضان في غزة هذا العام ليس شهر فرح، بل شهادة حيّة على معاناة شعب يصر على الحياة رغم كل الصعاب.
رمضان بلا ملامح.. حياة مؤجلة
في مدن فقدت ملامحها وبيوت تحولت إلى ركام، لم تعد طقوس رمضان ممكنة كما كانت، أكثر من 90% من سكان القطاع يعتمدون اليوم على المساعدات الإغاثية، فيما تحوّلت موائد الإفطار إلى كراسٍ فارغة، غاب عنها أصحابها الذين قضوا في حرب إبادة أسفرت عن أكثر من 72 ألف شهيد و171 ألف جريح.
الخيام التي تؤوي مئات آلاف النازحين لا تحمي من برد الشتاء، ولا من الرصاص، ومع استمرار خروقات الاحتلال للهدنة، استشهد أكثر من 600 فلسطيني منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، غالبيتهم من الأطفال والنساء، ما يؤكد أن الموت لا يزال حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
القدس والأقصى.. رمضان تحت القيود
في الوقت ذاته، يشهد المسجد الأقصى تصعيدًا غير مسبوق قبيل رمضان، سلطات العدو منعت دائرة الأوقاف الإسلامية من تنفيذ أي تجهيزات لاستقبال المصلين، بما في ذلك تركيب المظلات وتجهيز العيادات الميدانية، وأصدرت منذ مطلع العام أكثر من 250 قرار إبعاد عن المسجد.
كما وسّعت جماعات متطرفة ساعات اقتحام الأقصى، وفرض العدو قيودًا مشددة على دخول الفلسطينيين، خاصة من الضفة الغربية، مع تحديد أعداد المصلين والفئات العمرية، في محاولة لفرض واقع جديد يمس حرية العبادة والوضع القانوني والتاريخي للمسجد.
خروقات يومية.. وهدنة بلا ضمانات
رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، يواصل العدو خروقاته العسكرية في مختلف مناطق القطاع: قصف، نسف مبانٍ، إطلاق نار على النازحين، واعتقال صيادين في عرض البحر، إضافة إلى استهداف مباشر للأحياء السكنية في خانيونس وغزة وجباليا.
هذه الخروقات رفعت حصيلة الشهداء منذ الهدنة إلى 603 شهداء و1,618 إصابة، في وقت لا تزال فيه طواقم الإسعاف والدفاع المدني عاجزة عن الوصول إلى ضحايا تحت الركام.
المنظومة الصحية على حافة الانهيار
الوضع الصحي في غزة يقترب من نقطة اللاعودة، مستشفيات تعمل بقدرات محدودة، نقص حاد في الأدوية، وأزمة كهرباء تهدد حياة المرضى، خصوصًا في أقسام العناية المركزة وحضانات الأطفال.
أكثر من 2,000 مريض وجريح بحاجة عاجلة للعلاج في الخارج، إضافة إلى نحو 350 ألف مريض بأمراض مزمنة يواجهون خطر الموت، في ظل منع إدخال الإمدادات الطبية والوقود، وتوقف شبه كامل للمساعدات الإنسانية، بحسب منظمات دولية.
تحذيرات من تدويل أمني للأزمة
حذرت منظمات أهلية فلسطينية من عودة شركة أمنية أمريكية للعمل في غزة، معتبرة ذلك مؤشرًا على نوايا تعميق الأزمة الإنسانية، خاصة في ظل سجل الشركة المتهم بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين خلال توزيع المساعدات.
تخشى هذه الجهات أن يؤدي هذا المسار إلى فرض وقائع أمنية جديدة، ونزوح قسري إضافي للسكان، بدل معالجة جذور الكارثة الإنسانية.
صمود تحت القهر
رغم هذا المشهد القاتم، يواصل الفلسطينيون في غزة والقدس التشبث بالحياة وصناعة المعنى وسط الفقد، أطفال يصنعون فوانيس من ورق، أمهات يحاولن حفظ ما تبقى من طقوس رمضان داخل خيام مهترئة، ومسعفون يواصلون العمل بأدوات شحيحة.
رمضان في غزة هذا العام ليس شهر فرح، بل شهادة حيّة على معاناة شعب، وعلى حقيقة أن الهدنة دون عدالة وأمان لا تعني نهاية الحرب، بل استمرارها بأدوات مختلفة.






