
21 سبتمبر| مقالات – أحمد قحيم
لا يمكن لي، كمواطن يمني، أن أمرّ على 30 نوفمبر مرورًا عابرًا.. فهذا التاريخ ليس ذكرى نُردّدها في المناسبات، ولا صفحة باهتة في سجلات الماضي؛ بل هو لحظة صنع فيها اليمنيون واحدة من أعظم محطات التحرر في المنطقة، حين قرّر شعبٌ أعزل أن يواجه الإمبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، وأن يعلن بأن اليمن ليس سطرًا على هامش الجغرافيا، ولا كيانًا قابلًا للابتلاع، بل عقدة عصيّة في وجه كل محتلٍ رأى في هذا البلد بوابةً للهيمنة والنفوذ.
غير أن استدعاء هذه الذكرى لا يكتمل بمجرد الاحتفاء بها، لأن 30 نوفمبر ليس تاريخًا جامدًا، بل ميزانًا نقيس به واقعنا اليوم.. وكلما عدت بذاكرتي إلى تلك اللحظة، وجدت السؤال يفرض نفسه بقوة: ماذا يعني أن نتغنى باستقلال طرد بريطانيا بالأمس، بينما يسرح اليوم احتلال جديد -بأعلام مختلفة وأدوات أشد خطورة- في جنوب الوطن؟ وكيف يمكن لراية الاستقلال أن تظل مرفوعة، فيما تُقام قواعد عسكرية أجنبية على أرضنا، وتُدار المحافظات المحتلة من غرف عمليات لا علاقة لها بإرادة اليمنيين؟
الحقيقة التي لا يمكن الهرب منها أن 30 نوفمبر لم يكتمل.. انتصرنا بالأمس، نعم، لكن معركة التحرر لم تُحسم بعد.. وإذا كانت بريطانيا هي الاسم القديم للاحتلال، فإن السعودية والإمارات وإسرائيل هي نسخته الحديثة، مع اختلاف الأعلام فقط. المشروع هو ذاته: الهيمنة، الوصاية، التحكم بالجغرافيا والقرار والثروة.
لقد شكّل 30 نوفمبر بالنسبة لي ولجيل كامل من اليمنيين درسًا عميقًا: أن الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع.. وأن الشعوب التي فرّطت بشبر واحد من ترابها، دفعت ثمنه أوطانًا كاملة.. ولعل ما يجري اليوم في الجنوب يثبت هذه الحقيقة بمرارة، فمن لم يدافع عن استقلاله بالأمس، لا يستطيع الانتظار من الآخرين أن يفعلوا ذلك عنه اليوم.
لكن ثمة فارق جوهري بين مرحلة الاستقلال الأول وبين اللحظة الراهنة، وهذا الفارق اسمه ثورة 21 سبتمبر.
هذه الثورة، وبكل وضوح، لم تُعد اليمن إلى المشهد السياسي فحسب، بل أعادت اليمن إلى نفسه.. أعادت القرار إلى صنعاء، وأسقطت مشروع الوصاية الخارجية الذي كان يتحكم بمفاصل الدولة كما لو كان اليمن ملكًا خاصًا لسفراء الدول الأجنبية.. ولولا 21 سبتمبر لبقي اليمن حتى اللحظة دولة بلا سيادة، وبوابة مفتوحة أمام كل أشكال الاحتلال المباشر وغير المباشر.
اليوم، وأنا أكتب عن 30 نوفمبر، لا أستطيع فصل الذاكرة عن الواقع، لا يمكن أن أتحدث عن الاستقلال الأول من دون أن أربطه بالاستقلال الثاني الذي تصنعه اليوم ثورة 21 سبتمبر، وبالتحولات العميقة التي أوجدها هذا المسار التحرري في بنية الدولة اليمنية وفي وعي الشعب اليمني.
ما يحدث اليوم هو استكمال لخط بدأ قبل ستين عامًا، لكنه لم يكتمل إلا حين قرّر اليمنيون أن السيادة ليست ورقة يتم توقيعها في العلن وإلغاؤها في المكاتب الخلفية، بل هي هوية وموقف ومشروع وصمود.
ولذلك أقول بثقة:
إذا كان 30 نوفمبر قد طرد بريطانيا من عدن، فإن اليمن اليوم بصدد طرد كل أشكال الاحتلال من المهرة إلى سقطرى ومن عدن إلى شبوة.
وإذا كان الاستقلال الأول منعطفًا تاريخيًا، فإن التحرر القادم سيكون الاستقلال الحقيقي الكامل الذي لا يدع مجالًا لعودة الوصاية لا بأسماء جديدة ولا بوجوه مختلفة.
نحن اليوم أمام مفترق جديد.. إما أن نكتفي بذكرى 30 نوفمبر كأغنية وطنية، أو نحولها إلى روح تتحرك في الميدان، وتعيد الجنوب إلى حضن اليمن، وتطهر الأرض من كل قواعد الاحتلال، وتعطي لدماء الشهداء معناها الحقيقي وغايتها الأخيرة.
ولهذا فإني أؤمن بأن روح 30 نوفمبر لا تزال حيّة، غير أن مسؤولية إحيائها لا تقع على صفحات التاريخ، بل على إرادة الشعب التي تعيد للذاكرة معناها وللوطن روحه، وعلى ثورة 21 سبتمبر التي أثبتت أنها وحدها القادرة على تحويل الاستقلال من شعار مكتوب إلى حقيقة تُصنع على الأرض.
وهكذا يصبح 30 نوفمبر بالنسبة لنا ليس احتفالًا بالماضي، بل موعدًا مع المستقبل.. مستقبل خالٍ من الاحتلال وأدواته، مكتمل السيادة، يُكتب بيد اليمنيين وحدهم.






