عامان على الإبادة في غزة.. دمٌ لم يجفّ وعدالةٌ عمياء تكشف زيف الحضارة الغربية
عامان على الإبادة في غزة.. دمٌ لم يجفّ وعدالةٌ عمياء تكشف زيف الحضارة الغربية

21 سبتمبر/ تقرير خاص
عامان مضيا على العدوان الدموي الذي شنّه العدو الصهيوني على غزة، عامان من القتل المنهجي والإبادة الجماعية أمام صمتٍ دوليٍّ مخزٍ وتواطؤٍ أمميٍّ فاضح، يفضح نفاق العالم الذي تزيّن بشعارات “حقوق الإنسان” و“العدالة الدولية”.
في غزة، ما زال الجرح مفتوحًا والدم طريًا، تُنحت المأساة على وجه كل طفلٍ فقد أمه، وكل أمٍّ تحتضن أسماء شهدائها في صدرها. وبينما تمضي آلة الإبادة الصهيونية في غيّها، تتواصل المفاوضات في القاهرة وكأنها تجري فوق جثث الضحايا، بلا أي ضمانات حقيقية، في مشهدٍ يختصر سقوط النظام الدولي وسحق الضمير الإنساني في آنٍ واحد.
غزة.. ميدان الإبادة المفتوحة
منذ السابع من أكتوبر 2023، والعدو الصهيوني يحوّل قطاع غزة إلى مختبرٍ للموت، يقصف كل ما يتحرك، ويدمر كل ما يشهد على الحياة.
بعد عامين من الحرب، سجّلت وزارة الصحة في غزة أكثر من 67 ألف شهيد و170 ألف جريح، بينهم 20 ألف طفل وأكثر من 10 آلاف امرأة، فيما أُبيدت آلاف العائلات بالكامل من السجلات المدنية ومن ذاكرة الأحياء.
إنها حربٌ لم تترك شيئًا إلا استهدفته: المدارس والمشافي، المخابز والمساجد، وحتى قوافل الإغاثة ومراكز الأمم المتحدة. فغزة اليوم ليست ساحة معركة، بل مختبر لإعادة تعريف الوحشية في القرن الحادي والعشرين.
المفاوضات تحت النار.. هدنة الموت المؤجل
وبينما تدور المفاوضات في القاهرة، يواصل العدو جرائمه اليومية بلا انقطاع، مستخدمًا أحدث أسلحته المدمّرة من الطائرات إلى العربات المفخخة والروبوتات المتفجرة.
في أحياء تل الهوى والصبرة والشجاعية، لا تُسمع إلا أصوات الانفجارات ونداءات الاستغاثة، فيما تحاصر دبابات الاحتلال المستشفيات التي تحولت إلى أنقاض.
أكثر من نصف مليون مدني ما زالوا عالقين في المدينة المدمّرة، رافضين النزوح رغم القصف والمجازر، بينما تتهاوى ما تبقّى من النظام الصحي، إذ خرجت 25 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة كليًا، والبقية تعمل بقدرات شبه معدومة.
وفي ظل هذا الخراب، يستمر العالم في حديثه عن “تهدئة”، بينما تمضي آلة القتل في حصد الأرواح بلا توقف، لتتحول الهدنة المزعومة إلى غلاف سياسي لتجميل الإبادة.
المجاعة.. الوجه الآخر للإبادة
لم يعد الجوع في غزة مجرد أزمة إنسانية، بل سلاح حرب ممنهج يستخدمه العدو لتركيع الشعب.
فقد استُشهد أكثر من 460 فلسطينيًا جوعًا، بينهم 154 طفلًا، فيما يعاني أكثر من 50 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء تغذية حادّ.
ووسط انقطاع الإمدادات الغذائية والطبية، تتضاعف المأساة كل يوم، حتى باتت غزة مسرحًا لأبشع أشكال الموت البطيء، يُمارس فيه الاحتلال أبشع صور العقاب الجماعي، في ظل صمت العالم المتحضر الذي يراقب ولا يتحرك.
الطواقم الطبية.. في مرمى القتل المتعمّد
لم يكتفِ العدو الصهيوني بقتل الجرحى، بل استهدف من حاول إنقاذهم.. أكثر من 1700 شهيد من الكوادر الطبية، و362 طبيبًا وممرضًا أُسروا قسرًا، بعضهم أُعدم ميدانيًا أثناء تأدية واجبه الإنساني.
تحوّلت غرف العمليات إلى مقابر مصغّرة، يعمل فيها الأطباء بوسائل بدائية وتحت القصف المباشر، بينما كتب بعضهم وصاياهم على أكمامهم قبل الدخول لغرفة العمليات بلا تخدير ولا كهرباء.
إنها جريمة مركّبة، تُنتهك فيها كل القوانين والاتفاقيات الدولية، وتُمارس فيها الإبادة تحت لافتة “مكافحة الإرهاب”.
غزة تفضح نفاق العدالة الدولية
بعد عامين من المجازر اليومية، سقطت كل الأقنعة التي تخفي وجه “النظام العالمي”.. أوروبا التي تدّعي الدفاع عن حرية التعبير منعت رفع العلم الفلسطيني، وفرنسا وألمانيا اللتان تصدان مظاهرات غزة، تفتحان عواصمهما أمام أعلام الاحتلال.
وفي المقابل، انتفضت شعوب الأرض من طوكيو إلى لندن، ومن نيويورك إلى أوسلو، لتقول إن الضمير الإنساني لا يُقصف ولا يُقمع.
لكن المفارقة الصادمة أن الصمت الغربي تجاوز حدود السياسة إلى الانهيار الأخلاقي، تجسده شهادات من داخل المؤسسات الأمريكية ذاتها.
ففي فبراير 2024، أضرم الجندي الأمريكي آرون بوشنل النار في جسده أمام السفارة الصهيونية بواشنطن، صائحًا: “فلسطين حرة”، احتجاجًا على دعم بلاده للإبادة في غزة.
ثم توالت الاستقالات من داخل وزارة الخارجية الأمريكية نفسها، أبرزها استقالة “جوش بول” و“مايكل كيسي”، اللذين عبّرا عن عجزهما الأخلاقي أمام ما يجري، قائلين إن ما يحدث “أسوأ مما يمكن تخيّله”.
العالم أمام مرآة غزة
تحولت غزة إلى مرآة كاشفة للضمير الإنساني.. الباحثة “آنا إيفاسيوك” تساءلت في مقالها: “ما هو الحياد أمام الإبادة الجماعية إن لم يكن تواطؤًا؟”
أما المفكر الإسباني “خافيير خورادو”، فاعتبر أن “عقل أوروبا السياسي لم يعد يملك ما يبرر دعمه للكيان المجرم”، فيما أكد الكاتب البريطاني “جيمس شنايدر” أن “تحرير فلسطين لم يعد قضية شرق أوسطية، بل اختبارًا للضمير الغربي نفسه”.
غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا محاصَرة، بل قضية معيارية تُقاس بها الإنسانية، وتُختبر بها مصداقية القوانين الدولية والمؤسسات التي طالما ادّعت الدفاع عن الحقوق والحريات.
غزة الحية.. من تحت الركام
رغم كل الخراب والموت والجوع، لا تزال غزة حيّة، تُنجب المعجزات من تحت الركام.. امرأة تبحث عن دمية لابنتها بين الأنقاض، وطفل يجمع بقايا كتبه ليؤسس مدرسة من خيمة، وطبيب يواصل عملياته على ضوء شمعة، يكتب وصيته قبل أن يسقط شهيدًا.
إنها غزة التي تُربّي الصمود كما تُربّي الجراح، المدينة التي علّمت العالم أن البقاء فيها فعل مقاومة، وأن من ماتت حوله الدنيا لا يخشى الموت.
تعريف معنى الإنسانية والكرامة
عامان على الإبادة الجماعية في غزة، والعالم ما زال شريكًا في الجريمة بصمته وتواطئه.. لكن غزة، بركامها وصمودها، أعادت تعريف معنى الإنسانية والكرامة، وكشفت أن الدم الفلسطيني هو البوصلة الأخلاقية الأخيرة في هذا العالم المختل.
ففي زمنٍ تُقاس فيه العدالة باللون والانتماء، تبقى غزة الجرح الذي لا يُغلق، والشاهد الذي لا يصمت، والوصية التي تقول للأجيال: لن نُباد مرتين.. مرة بالسلاح ومرة بالنسيان.






