ثلاثة عقود من الحكم والخيانة.. هل كان عفاش رئيسًا أم مجرد وكيل لواشنطن والرياض؟
ثلاثة عقود من الحكم والخيانة.. هل كان عفاش رئيسًا أم مجرد وكيل لواشنطن والرياض؟

21 سبتمبر| تقرير خاص
في مشهد يزدحم بالشعارات البراقة عن “السلام” و”الوضع المعيشي”، يطلّ على الساحة اليمنية خطابٌ مزيّف تحاول بعض القوى الداخلية ترويجه، مدّعية الحرص على قوت الشعب وكرامته، بينما تقف خلفها أصابع خارجية تحرّك الخيوط بمهارة ماكرة.. يتصدّر المشهد هؤلاء الذين يتباكون اليوم على معاناة المواطن، وهم ذاتهم – وامتداد لمن سبقهم – الذين صنعوا هذه المعاناة عبر أكثر من ثلاثة عقود من التبعية والنهب والخيانة.
لقد كشفت الأحداث المتسارعة عن صندوق أسود مليء بالصفقات المشبوهة والمؤامرات الممنهجة، خطّ مسار اليمن طيلة 33 عاماً تحت حكم الهالك علي عبدالله صالح، حيث تحوّلت البلاد إلى مزرعة خاصة تُدار من الرياض وواشنطن و”تل أبيب”، وتُنهب مواردها بلا رحمة، بينما يُفرَّغ جيشها من قوته، وتُكبَّل إرادتها السياسية، وتُعزل عن محيطها العربي والإقليمي.. لم يكن ذلك انحرافاً عابراً أو فساداً عشوائياً، بل كان مشروعاً مدروساً لإبقاء اليمن ضعيفاً، مستسلماً، مرتهناً لإملاءات الخارج، ومخترقاً في بنيته الأمنية والاقتصادية والسياسية.
واليوم، وفي ظل تصاعد التوتر الإقليمي ومعركة الأمة الكبرى ضد التوحش الصهيوني، تحاول بقايا ذلك النظام المأزوم والمهزوم إعادة إنتاج دورها كأداة في يد العدو، بشعارات ظاهرها الرحمة وباطنها الخيانة، لجرّ الشعب بعيداً عن معركته المقدسة وإسناده الصادق للمظلومين في غزة.
وفي خضم هذه الحقائق، يبرز نظام “عفاش” كنقطة محورية لفهم جذور الأزمة اليمنية الراهنة، حيث تم تأسيس منظومة متكاملة من الخيانة والفساد والارتهان الخارجي، من خلال شبكة واسعة من التحالفات السرية والصفقات المشبوهة التي استهدفت تدمير الدولة وإضعاف السيادة الوطنية..
في هذا التقرير، سنكشف عن تفاصيل هذه الشبكة الممنهجة، من صفقات التطبيع مع العدو الإسرائيلي، إلى نهب الثروات وإغراق البلاد في الفوضى، وصولاً إلى أدوات الداخل والخارج التي تسعى اليوم لإعادة إنتاج مشروع الخيانة ذاته.
أدوات الداخل والخارج: وجهان لعملة التبعية
المشهد السياسي خلال حكم عفاش وما بعده يكشف عن خطين متوازيين في خدمة الأجندة المعادية:
- عفافيش الخارج: الذين التحقوا مبكراً بركب العدوان منذ لحظته الأولى، متنازلين عن أي دور وطني مقابل الامتيازات المالية والسياسية التي تقدمها واشنطن والرياض وأبوظبي.
- عفافيش الداخل: (باستثناء الوطنيين الشرفاء في المؤتمر)، يختبئون خلف عباءة الولاء الحزبي أو الشعبي، بينما يتلقون دعماً مالياً وإعلامياً لتأجيج الأزمات وإشعال الصراعات الداخلية، مستغلين الوضع المعيشي الذي خلفه العدوان والحصار كأداة تحريض وتعبئة ضد الجبهة الوطنية.
وتؤكد تقارير أمنية واستخباراتية أن هذه الشبكات تُدار وتُموّل بشكل مباشر من الإمارات والسعودية، ضمن مشروع أوسع تقوده واشنطن و”تل أبيب”، هدفه شق الصف الوطني وإلهاء اليمنيين عن معركتهم الكبرى في نصرة فلسطين ومواجهة العدو الصهيوني.
مشروع الخيانة الممنهج: من يومه الأول حتى لحظة السقوط
منذ أن تسلّق الخائن عفاش السلطة عام 1978 على جثة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، لم يكن مشروعه بناء دولة، بل تمكين النفوذ الأجنبي، وتحويل اليمن إلى أداة بيد القوى الخارجية.. وتجلى ذلك من خلال:
- الارتهان للسعودية: لم تكن العلاقة بين عفاش والرياض مجرد تنسيق سياسي، بل كانت علاقة تبعية شبه كاملة، حيث كشفت وثائق ويكيليكس أن الرياض كانت صاحبة اليد الطولى في تعيين الوزراء والمناصب العليا، وأنها مارست نفوذاً مباشراً على القرارات السيادية، وصولاً إلى فرض اتفاقية 1998 التي تنازل بموجبها عفاش عن مساحات واسعة من الأراضي اليمنية لصالح السعودية، في خطوة عدّها اليمنيون خيانة مكتملة الأركان.
- التبعية لواشنطن: تحت شعار “مكافحة الإرهاب”، فتح عفاش البلاد أمام القوات الأمريكية، ومنحها حرية الحركة في المياه الإقليمية، والسماح بإنشاء قواعد تنصت ومراكز عمليات على الجزر اليمنية، وجعل اليمن جزءاً من منظومة السيطرة الأمنية الأمريكية في المنطقة.
- الخيط الخفي مع “تل أبيب”: منذ بداية حكم عفاش في سبعينات القرن الماضي، بدأ التنسيق الاستخباراتي مع الموساد الإسرائيلي، وتطور لاحقاً إلى صفقات عسكرية، وتبادل معلومات، وإنشاء مراكز تنصت إسرائيلية في سقطرى وميون تحت مسميات “بيئية” و”بحثية”.
التطبيع الناعم: من القنوات السرية إلى التغلغل الثقافي
لم يكن تطبيع نظام عفاش مع العدو الصهيوني حدثاً عرضياً أو مجرد اتهامات، بل مسار متدرج وموثق بالأدلة:
- صفقة أستير وقانون الهجرة 1991: إعادة توطين اليهود اليمنيين وتشجيع هجرتهم إلى فلسطين المحتلة، في خطوة تخدم المشروع الديمغرافي الصهيوني.
- صفقات عسكرية وتقنية: تحقيق لمجلة Foreign Policy عام 2016 كشف عن علاقات سرية بدأت منذ حرب 1994، شملت دعماً استخباراتياً إسرائيلياً لعفاش، مقابل تسهيلات عسكرية في خليج عدن بوساطة إماراتية وأردنية وبرعاية أمريكية.
- قواعد تجسس متنكرة: إنشاء “مراكز بيئية” و”محطات طقس” في سقطرى وميون، كانت في حقيقتها مراكز تنصت إسرائيلية.
- تواطؤ بحري: السماح للقوات الأمريكية والإسرائيلية بالعمل في المياه الإقليمية واعتقال صيادين يمنيين تحت غطاء قوات إريترية.
- التجنيد المبكر: شهادات ضباط سابقين تؤكد أن عفاش جُنّد لصالح الموساد في أسمرة عام 1973، وأن ضباطاً إسرائيليين كانوا ضمن حراسته في قيادة معسكر خالد بالمخا.
- التعاون العسكري في العقد الأخير من حكمه: خلال حروب صعدة، وصلت أسلحة إسرائيلية إلى قوات عفاش، كما جرى تبادل معلومات استخباراتية مع الموساد.
عفاش في خدمة آل سعود: تابع بلا سيادة
- ظل عفاش طوال حكمه أداة رئيسية في يد الرياض، التي لم تكتفِ بالتأثير السياسي بل مارست وصاية عسكرية واقتصادية مباشرة.
- فرضت السعودية مرور صفقات السلاح عبر قنواتها، وسيطرت على بعض القواعد الجوية، وتحكمت في جاهزية الطيران اليمني.
- امتد النفوذ السعودي ليشمل إدارة بعض حقول النفط، خاصة في الجوف، وفرض إملاءات على مسار الاقتصاد اليمني.
نهب الثروات وتجويع الشعب: اقتصاد تحت قبضة المافيا العفاشية
- القيمة المنهوبة: تقارير دولية تشير إلى أن ما يزيد على 500 مليار دولار من موارد اليمن النفطية والغازية والجمركية تم نهبها خلال 33 عاماً من حكمه، وذهبت إلى حسابات خاصة في دبي وسويسرا.
- النفط المنهوب بعد 2016: تصدير أكثر من 190 مليون برميل بقيمة تتجاوز 13 مليار دولار، في حين تزعم حكومة المرتزقة أن العائدات لم تتجاوز 1.4 مليار، ما يكشف حجم الفساد والتلاعب.
- الخصخصة والابتزاز: بيع مؤسسات الدولة، كاليمنية للطيران ومياه عدن، خارج الإطار القانوني، وفرض إتاوات تصل إلى 30% على أي مشروع استثماري.
- إيداع العائدات في بنوك سعودية: ما سرّع من انهيار العملة وأفقد الدولة سيادتها الاقتصادية.
تفكيك الدولة وإغراقها في الأزمات
- حروب داخلية: افتعال الأزمات وخلق الصراعات في الجنوب وشن الحروب على صعدة لإبقاء البلاد في حالة استنزاف دائم.
- تعطيل التنمية والمشاريع الوطنية: رفض مشاريع كبرى منها عروض استثمارية روسية ومشاريع تنموية، ما لم يحصل على رشاوى وابتزاز المستثمرين.
- تسييس الجيش والأمن: تحويلهما إلى أدوات شخصية، وتهميش الكفاءات الوطنية.
التحالف مع العدو الصهيوني
- تسليح إسرائيلي: أسلحة إسرائيلية وصلت إلى جيشه في حروب صعدة، بالتنسيق مع واشنطن والرياض.
- مخطط فتنة 2017: محاولة إثارة الفتنة وإدخال البلاد في صراع داخلي، قبل احتفال المولد النبوي، بدعم أمريكي – صهيوني، انتهت بمصرعه بعد أن دعا علناً للتطبيع مع العدو.
- امتداد المشروع اليوم: بقايا 2 ديسمبر وطارق عفاش يتحركون بدعم سعودي – إماراتي لإعادة إنتاج سيناريو الخيانة، مستغلين الظروف المعيشية لإشغال الشعب عن معركة غزة.
تحذيرات القيادة.. ووعي الشعب
السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حذر من أي تحرك يهدف لإبعاد اليمن عن معركة غزة، مؤكداً امتلاك الأجهزة الأمنية للأدلة على ارتباط هذه التحركات بالمخطط الصهيوأمريكي.
اليمنيون، بوعيهم المتراكم، يدركون أن العفافيش اليوم هم الامتداد الطبيعي لمشروع الخيانة، وأنهم مجرد أدوات في يد العدو، كما كان عفاشهم الأكبر نفسه.
ولذلك، يخرج الملايين أسبوعياً في مسيرات الدعم لفلسطين، مرددين: “يا غزة يا فلسطين، معكم كل اليمنيين”، رافضين الوقوع في فخ الخيانة مرة أخرى.
معركة وعي وسيادة لا تحتمل الحياد
ثلاثة عقود من حكم عفاش كانت كافية لتدمير الدولة ونهب ثرواتها وتكريس التطبيع.. واليوم، يحاول مشروع الخيانة بأدواته الباقية، العودة بالبلاد إلى زمن الوصاية والارتهان للعدو الأمريكي والصهيوني، وتكرار سيناريو الهالك عفاش برعاية سعودية وإماراتية، لكن وعي الشعب وموقفه الثابت تجاه فلسطين يشكلان جداراً منيعاً أمام إعادة اليمن إلى بيت الطاعة الأمريكي-السعودي.
المعركة ليست صراعاً سياسياً عابراً، بل معركة وجود، عنوانها: استعادة القرار السيادي، إفشال مشروع الخيانة، والتمسك بالانتماء لمحور المقاومة نصرةً لغزة وكل المستضعفين، ومقارعة قوى الاستكبار والمستكبرين حتى النصر والفتح المبين.






