اخبار محليةالعرض في السلايدرتقاريرتويتر

الجوع يقتل غزة.. إبادة بطيئة تحت صمت دولي مخزٍ

الجوع يقتل غزة.. إبادة بطيئة تحت صمت دولي مخزٍ

21 سبتمبر | تقرير خاص

في زمنٍ تنقلب فيه الموازين وتُمسخ فيه معاني العدالة، وتُدهس فيه مبادئ الإنسانية، تتصدر غزة اليوم مشهدًا أسود من فصول الإبادة الحديثة، ليس الرصاص والقصف وحدهما من يفتك بأهلها، بل التجويع والعطش والحرمان الممنهج، في خطة صهيونية مدروسة تهدف إلى كسر إرادة شعب بأكمله، وتحويل الحياة اليومية إلى معركة قاسية للبقاء.

منذ السابع من أكتوبر 2023، يخضع قطاع غزة لحرب إبادة شاملة، تجاوزت في وحشيتها كل القوانين الدولية، وأعادت إلى الذاكرة أبشع جرائم العدوان الحصار في التاريخ.. غير أن ما يجري اليوم فاق حتى تلك الصور المظلمة، إذ لم يعد الجوع مجرد نتيجة للعدوان، بل صار سلاحًا مركزيًا من أسلحة الحرب.

جريمة تجويع ممنهجة… أطفال يموتون بصمت

في واحدة من أبشع صور الإبادة، كشف مدير عام وزارة الصحة في غزة، د. منير البرش، عن أن 500 رضيع يتلقون العلاج حاليًا من سوء التغذية الحاد، في مستشفيات شبه منهارة، هؤلاء الأطفال، الذين لم يعرفوا من الحياة سوى حضن أمهاتهم، وجدوا أنفسهم في مواجهة موت بطيء، بلا دواء ولا حليب، وبلا حتى الكهرباء التي تُشغّل حاضناتهم.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد ارتقى حتى الآن 227 شهيدًا بسبب الجوع وحده، بينهم 103 أطفال، في مشهد يؤكد أن الحصار لم يترك للطفولة سوى طريق الموت.

هذه الأرقام لا تمثل إحصاءً باردًا، بل صرخات أرواح صغيرة أُزهقت عمدًا، بينما يقف العالم موقف المتفرج العاجز.

1,750 شهيدًا على بوابة الانتظار

لم يكن الجوع وحده القاتل، بل الانتظار المميت أيضًا.. فقد أُعلن عن استشهاد 1,750 فلسطينيًا أثناء انتظارهم المساعدات الإنسانية، سواء عند المعابر المغلقة أو أثناء بحثهم اليائس عن فتات طعام بين الأنقاض.

في الوقت الذي يحتاج فيه القطاع إلى أكثر من 500 شاحنة مساعدات يوميًا لتغطية الحد الأدنى من احتياجاته، لم يُسمح إلا بدخول 14% فقط من هذه الكمية، منذ مارس الماضي، وسط إغلاق كامل للمعابر من قبل العدو، وعجز دولي عن فرض حتى “ممر إنساني” آمن.

طفولة على حافة الموت

المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، د. خليل الدقران، حذّر من أن أكثر من 500,000 طفل دون سن الخامسة مهددون بالموت جوعًا أو مرضًا، في ظل النقص الحاد في الأغذية والأدوية، وقد أدى التجويع إلى انتشار أمراض الهزال، ونقص الفيتامينات، وضعف المناعة، حتى باتت نزلة برد أو جرح صغير تهديدًا قاتلًا.

هذه ليست أزمة غذاء عابرة، بل عملية إعدام جماعي بطيء، تجرّد الطفولة من حقها في الحياة، وتكشف الوجه الأكثر قبحًا للعدو الصهيوني الذي يستهدف الأجيال قبل الحاضر.

القطاع على شفا مجاعة شاملة

مفوضة الاتحاد الأوروبي لإدارة الأزمات، حاجة لحبيب، حذرت من أن غزة تقف على حافة المجاعة الكاملة، مؤكدة أن أي هجوم صهيوني واسع سيكون كارثيًا إنسانيًا قبل أن يكون عسكريًا.

وأشارت إلى أن إنزال المساعدات جوًا لا يفي بالحد الأدنى من الأمان الغذائي، وأن الحل الوحيد هو فتح المعابر بشكل عاجل ودون شروط، ووقف شامل لإطلاق النار.

برنامج الغذاء العالمي بدوره وصف الوضع في غزة بأنه “غير مسبوق في مستويات الجوع واليأس”، فيما أكدت الأمم المتحدة أن ثلث السكان لم يأكلوا منذ أيام، وأن مئات الشاحنات يجب أن تدخل يوميًا لإنهاء حالة المجاعة.

مرضى الفشل الكلوي… موت يتقدّم مع كل دقيقة

إلى جانب الجوع، يعيش مرضى الفشل الكلوي في غزة مأساة مضاعفة، فمع تدمير الطرق وانعدام الوقود، أصبح الوصول إلى مراكز الغسيل الكلوي شبه مستحيل.. مرضى، بينهم أطفال، يُنقلون على عربات بدائية وسط الركام، فقط لينالوا بضع ساعات من الغسيل في مشافٍ تفتقر للكهرباء والماء والمستلزمات الطبية.

الغذاء المناسب لهؤلاء المرضى نادر أو معدوم، ما يجعل حالاتهم تتدهور سريعًا، بعض الأمهات تطبخ المعلبات الضارة لأطفالها المرضى، إن وجدت، أو تضعهم للنوم جائعين تحت وطأة العجز والقهر.

الحصار… جريمة حرب معلنة

منذ مارس، أحكم العدو الصهيوني إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى القطاع، في إجراء يُعدّ وفق القانون الدولي جريمة حرب باستخدام التجويع كسلاح جماعي.. ومع تكدس آلاف الشاحنات المحملة بالإغاثة على الجانب الآخر من الحدود، يظل القطاع تحت مقصلة الموت البطيء.

ما يحدث في غزة ليس مأساة فحسب، بل عار أخلاقي عالمي، يفضح تواطؤ الأنظمة الدولية وصمتها أمام جريمة مكتملة الأركان.. إنها إبادة جماعية تتم على الهواء مباشرة، بلا رادع ولا حساب، بينما يمضي العدو في جرائمه ويمدده الدعم الأمريكي والغربي بلا توقف.

غزة لا تحتاج التعاطف بل التحرّك

غزة لا تنتظر كلمات الشجب ولا بيانات الإدانة، بل تحتاج إلى تحرك عاجل ومحاسبة المجرم الذي يستخدم الجوع والدواء سلاحًا ضد المدنيين.

فالتاريخ سيسجل أن العالم كان حاضرًا وشاهدًا على إبادة مليونَي إنسان، وتركهم يموتون جوعًا في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى