المؤتمر العفاشي.. من وحل الخيانة إلى أحضان العدوان
المؤتمر العفاشي.. من وحل الخيانة إلى أحضان العدوان

21 سبتمبر| تقرير خاص
في التاريخ السياسي لليمن، تبرز تجربة حكم “علي عبدالله صالح” – التي امتدت من 1978 حتى 2011 – كواحدة من أكثر الفترات ظلامًا، إذ مثّلت ثلاثة عقود من التبعية للخارج مقابل البقاء على كرسي الحكم، حتى وإن كان الثمن بيع الأرض ونهب الثروات والتفريط بالسيادة الوطنية.
ومن يقرأ مسيرة المؤتمر الشعبي العام منذ تأسيسه وحتى اليوم، يدرك أن هذا الكيان لم يكن يومًا مجرّد حزب سياسي، بل كان انعكاسًا لشخصية حاكم فرد هو الخائن عفاش، الذي حوّل الحزب إلى أداة لإحكام السيطرة على البلاد عبر شبكة من الولاءات القبلية والمصالح الضيقة والارتهان الكامل للخارج.
وبينما أفرزت ثورة 21 سبتمبر واقعًا وطنيًا جديدًا قائمًا على الاستقلال والسيادة، انكشف الوجه الحقيقي لجناح عفاش الذي لم يتردد في بيع الأرض والعرض والانخراط علنًا في صف العدوان الأمريكي السعودي الصهيوني، ليصبح جزءًا من أدوات الحرب على الشعب اليمني سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا.
أما الجناح الوطني للمؤتمر، فقد برز كتيار سياسي ثابت على مواقفه المبدئية، رفض الارتهان للخارج ورفض الانضمام إلى معسكر العدوان رغم كل الضغوط والإغراءات. هذا الجناح – الذي يضم قيادات وقواعد حزبية مؤمنة بالسيادة الوطنية – اختار أن يكون شريكًا في الدفاع عن اليمن، متكاملًا مع بقية القوى الوطنية، في معركة التحرر والاستقلال.
لقد تحمّل هذا الجناح أعباء كبيرة، من محاولات شق صفه وإغراء قياداته بالمال والمناصب من قبل العدو السعودي والإماراتي، لكنه ظل متمسكًا بقراره السيادي، مدركًا أن المعركة اليوم ليست صراع سلطة، بل معركة وجود بين مشروع وطني حر ومشروع استعماري صهيوني.
ومن خلال مشاركته في إدارة مؤسسات الدولة وتعزيز الجبهة الداخلية، أسهم هذا التيار في تثبيت أركان الصمود، وإفشال مخططات إسقاط صنعاء وإعادة اليمن إلى الارتهان للسعودي والإماراتي والأمريكي.
إرث 33 عامًا من الفساد والارتهان
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، لم يكن اليمن في عهد الخائن عفاش سوى دولة مرتهنة القرار، تُدار بالتحالفات المرتبطة بالمصالح الشخصية.
الاقتصاد اليمني نُهب بشكل ممنهج: الثروات النفطية والغازية كانت تُباع بصفقات سرية بأسعار بخسة، والموانئ مثل عدن والمخا كانت تُؤجَّر أو تُعطى امتيازاتها لشركات أجنبية مقابل عمولات ضخمة تذهب إلى جيوب العائلة الحاكمة.
الديون الخارجية تضاعفت، والقطاع العام انهار، والبطالة بلغت مستويات كارثية، بينما كانت العائلة الحاكمة تزداد ثراءً ونفوذًا.
أما الأجهزة الأمنية، فكانت تعمل كذراع قمعية ضد أي صوت معارض لعفاش وعائلته، فيما تُفتح أبواب البلاد أمام الوصاية الأمريكية والسعودية تحت لافتة “التعاون الأمني”.
التطبيع المبكر مع العدو الإسرائيلي
رغم الخطاب الشعبوي الذي كان يرفع شعارات التضامن مع المقاومة والشعب الفلسطيني في المحافل، إلا أن عفاش كان ينسج خيوط علاقاته مع العدو في الخفاء.
لقاءات سريّة جمعت مسؤولين يمنيين مع شخصيات إسرائيلية في عواصم أوروبية، ومراسلات غير معلنة تناولتها تقارير استخباراتية أجنبية.
حتى اتفاقيات التجارة البحرية شملت تسهيلات غير مباشرة لسفن مرتبطة بالكيان الصهيوني.
وفي أكثر من مناسبة، حاول نظام عفاش التوسط لتسويق مبادرات سلام عربية تتجاوز الثوابت الفلسطينية، كجزء من دوره المرسوم أمريكيًا في “تطويع” الموقف اليمني.
التبعية المطلقة لواشنطن والرياض
تحوّل القرار السيادي في عهد عفاش إلى ملحق بقرارات السفارة الأمريكية في صنعاء وقصور آل سعود.
القواعد الأمريكية حصلت على تسهيلات ميدانية في الأراضي اليمنية، والطائرات المسيّرة بدأت عملياتها القتالية من أجواء اليمن بضوء أخضر من القصر الجمهوري.
وساهمت في حملات الملاحقة الأمنية ضد مواطنين يمنيين واغتيالهم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تنفيذًا لأجندة الحرب الأمريكية.
2011.. بداية النهاية وسقوط القناع
مع انطلاق ثورة فبراير 2011، تهاوى البناء الورقي الذي بناه عفاش.. الجيش انقسم، القبائل انفضّت، والشعب خرج يطالب برحيل النظام.
لكن الصفقة الأمريكية السعودية المعروفة بـ”المبادرة الخليجية” أعادت إنقاذ العفافشة، ومنحتهم حصانة من الملاحقة، في أكبر خيانة لدماء الشهداء.. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الجناح العفاشي بالتخطيط لاستعادة السلطة ولو بالتحالف مع أعداء اليمن.
2015… التحاق علني بالعدوان
عندما فشلت كل محاولاتهم لإسقاط ثورة 21 سبتمبر من الداخل، اندفع الجناح العفاشي إلى أحضان تحالف العدوان بقيادة السعودية والإمارات، الذي كان ينفّذ المخطط الأمريكي الصهيوني لتدمير اليمن.
فتحوا له الأبواب والممرات، زوّدوه بالمعلومات الاستخباراتية، وأداروا الحملات الإعلامية التي تبرّر قصف المدن وتجويع الشعب.
لم يترددوا في دعوة الطائرات الأمريكية والسعودية لضرب مؤسسات الجيش اليمني، ولا في التحريض على حصار شامل يمنع الغذاء والدواء عن ملايين اليمنيين.
المؤتمر الوطني.. خندق المقاومة
في المقابل، وقف الجناح الوطني للمؤتمر الشعبي العام، الملتزم بالسيادة والاستقلال، في صف الوطن.. رفض كل أشكال الارتهان للخارج، وأكّد أن المعركة مع تحالف العدوان هي امتداد لمعركة الأمة ضد المشروع الأمريكي الصهيوني.
شارك في صياغة موقف سياسي موحّد يربط الدفاع عن صنعاء بالدفاع عن القدس، ودعم عمليات الجيش واللجان الشعبية في الجبهات كافة.
هذا الجناح الوطني مثّل نموذجًا في أن الانتماء الحزبي يجب أن يخضع للمصلحة العليا للوطن لا العكس.
إعادة تدوير الخيانة ومحاولات الاختراق
اليوم، يحاول تحالف العدوان إعادة تلميع صورة العفافشة، عبر مشاريع سياسية وتحالفات مشبوهة مع قوى موالية للرياض وأبوظبي، بهدف شق الصف الداخلي وإضعاف الموقف اليمني الثابت تجاه فلسطين.
لكن الوعي الثوري الذي رسّخته ثورة 21 سبتمبر، والموقف الشعبي الذي يرى في العفافشة أداةً للخيانة، يشكّل جدارًا منيعًا أمام تلك المحاولات.
ثورة 21 سبتمبر قلبت المعادلة
إن التفريق بين المؤتمر الوطني المخلص والمؤتمر العفاشي الخائن ليس مجرد مسألة حزبية، بل هو ضرورة استراتيجية لحماية مكتسبات ثورة 21 سبتمبر، وضمان أن لا يعود اليمن إلى زمن الارتهان والخيانة.. ما بين جناح عفاش الذي باع اليمن لأعدائه، وجناح وطني متمسك بالمبادئ، يقف الشعب اليمني اليوم على وعيٍ تامّ بمن خانه ومن وقف معه.
فالتاريخ يكتب أن المؤتمر العفاشي كان ولا يزال أداةً بيد أعداء اليمن، وأن كل ما فعله خلال 33 عامًا كان تمهيدًا لوصول البلاد إلى حالة التبعية والفقر والتجزئة.. في المقابل، يثبت المؤتمر الوطني المقاوم أن خيار الشعب هو التحرر والسيادة، وأن الوقوف مع فلسطين ليس شعارًا موسميًا، بل هو موقف إيماني وسياسي ثابت، تتجسد ترجمته اليوم في دعم اليمن للمقاومة الفلسطينية ومواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني في كل الميادين.
فعلى مدى 33 عامًا من حكم عفاش، ترسخت التبعية واستشرى الفساد وتسللت بوابات التطبيع، لكن ثورة 21 سبتمبر قلبت الموازين، وربطت مصير اليمن بمصير فلسطين، وجعلت من مواجهة المشروع الأمريكي الصهيوني أولوية وطنية وسياسية وعسكرية وشعبية.
ملحق توثيقي.. أرشيف الخيانة العفاشية
-
التطبيع الخفي مع الكيان الصهيوني
- 1995، لقاء سري في عمّان: كشفت صحيفة “هآرتس” العبرية عن لقاء جمع وفدًا يمنيًا رسميًا مع مسؤولين صهاينة في العاصمة الأردنية عمّان، على هامش ترتيبات ما بعد اتفاق أوسلو، لبحث فتح خطوط اتصال غير معلنة.
- 2000، اتفاقية الغاز المسال: عقدت حكومة عفاش صفقة تصدير الغاز اليمني المسال عبر شركة يمن LNG، التي كانت إحدى الشركات الوسيطة فيها مرتبطة بشركات إسرائيلية، ما أتاح وصول جزء من الغاز اليمني إلى موانئ خاضعة لإدارة الكيان.
- 2004، اتصالات عبر وسطاء أوروبيين: تقارير استخباراتية فرنسية تحدثت عن اتصالات أجراها مقربون من عفاش مع رجال أعمال إسرائيليين لبحث استثمارات في موانئ البحر الأحمر.
-
الارتهان للأجندة الأمريكية
- 2002، انطلاق الطائرات المسيّرة الأمريكية: سمح صالح رسميًا باستخدام الأجواء اليمنية لعمليات الطائرات الأمريكية بدون طيار، وكانت أولى الضربات في نوفمبر 2002 على سيارة في مأرب، قُتل فيها ستة يمنيين بينهم أبو علي الحارثي.
- 2009، اتفاق أمني مع واشنطن: وقع نظام عفاش مذكرة تفاهم أمنية سمحت بتواجد عسكري أمريكي غير معلن في بعض القواعد اليمنية، مقابل دعم مالي ما يسمى بـ”مكافحة الإرهاب” كان يذهب لشراء ولاءات قبلية.
-
الارتهان للسعودية والإمارات
- اتفاقية الحدود مع السعودية (2000): وقع عفاش اتفاقية جدة، التي تنازل بموجبها عن مساحات شاسعة من الأراضي اليمنية لصالح السعودية، مقابل مساعدات مالية وصفقات شخصية.
- تأجير الموانئ اليمنية: سمح صالح عفاش للإمارات بإدارة ميناء عدن في صفقة مشبوهة عام 2008 مع شركة موانئ دبي، أدت إلى شلّ نشاط الميناء وحرمان اليمن من عائداته الحيوية.
- تسهيلات عسكرية: تقارير ويكيليكس كشفت عن منح عفاش الضوء الأخضر للسعودية لتنفيذ غارات جوية داخل الأراضي اليمنية ضد أنصار الله عام 2009، بل وتصريحه الشهير للسفير الأمريكي: “سأقول إن القنابل أمريكية لكننا نحن من نلقيها”.
-
دعم مخططات حصار المقاومة
- دعم المبادرة العربية للتطبيع (2002): رغم عدم إعلان اليمن موقفًا صريحًا بالرفض، دعم صالح المبادرة التي أطلقتها السعودية للتطبيع الكامل مع “إسرائيل” مقابل انسحابها لحدود 1967، وهو ما عدّه كثير من السياسيين خيانة للثوابت الفلسطينية.
- التضييق على المجاهدين الفلسطينيين: وثائق من وزارة الداخلية اليمنية (2004 – 2010) كشفت عن أوامر مباشرة بترحيل نشطاء فلسطينيين من اليمن بناء على طلبات أمريكية وسعودية، وبعضهم كان على صلة بفصائل المقاومة.
-
تمهيد الأرضية للعدوان 2015
- 2011، المبادرة الخليجية: أبرم عفاش وحزبه صفقة سياسية مع السعودية وأمريكا تضمن لهم الحصانة مقابل تسليم السلطة شكليًا لـ”عبد ربه منصور هادي”، ما أبقى مفاصل الدولة في يد العفافشة وسهّل لاحقًا اختراقها من الداخل.
- 2013، مؤتمرات الحوار برعاية الأمم المتحدة: استغل العفافشة الحوار لتمرير سيناريوهات تقسيم اليمن إلى أقاليم، وهو مشروع أمريكي سعودي هدفه تفكيك الجغرافيا اليمنية تمهيدًا للسيطرة عليها.
الجناح العفاشي أداة وظيفية بيد السعودية والعدو الصهيوأمريكي
هذا الأرشيف لا يروي كل شيء، لكنه يكفي لإظهار أن الجناح العفاشي كان منذ البداية أداة وظيفية بيد أمريكا والسعودية، ولم يتردد في فتح قنوات مع كيان العدو، والتفريط بالسيادة والثروات، والتحالف مع الخارج ضد الداخل.
إن هذه الحقائق تجعل من اصطفافه اليوم في خندق العدوان امتدادًا طبيعيًا لمسيرته الملوثة منذ ثلاثة عقود.
















