اخبار دولية وعربية

تحولات المشهد في الجمهورية العربية السورية

تشهد الأزمة السورية انفراجه نسبية على الصعيد السياسي، وهي مرشحة إلى مزيد من التطور، وبالتالي تجاوز الحكومة السورية وضع العُزلة الظالمة المفروضة عليها منذ العام 2011م على خلفية الأحداث في سوريا.

برزت هذه الانفراج بشكل أكبر من بعد الزلزال الذي ضرب كل من تركيا وسوريا في فبراير الماضي، إذ أوجد المبرر الإنساني لعودة العلاقات السياسية والاقتصادية التي كانت قد بدأت قبل ذلك، وكانت الأوضاع مهيأة لعودة العلاقات.

بداية من مباحثات سورية تركية غير مباشرة لإزالة الخلافات كجزء من المساعي التركية قبيل الانتخابات، مروراً بزيارة الرئيس السوري إلى سلطنة عمان، ثم زيارة الإمارات، والإعلان عن الاستعداد لفتح السفارات بين كل من سوريا والسعودية.

جرت خلال هذه الفترة -أي في غضون ثلاثة أشهر من العام الجاري- تطورات كثيرة في المنقطة، كانت حصيلتهاهذه التطورات.

جوهرياً تأتي هذه التطورات نتيجة للصمود السوري طوال سنوات الحرب التي دخلت عامها الـ12، فقد كان المخطط اجتياح الدولة السورية واسقاط النظام الوطني وتفكيكها على غرار غزو العراق 2003م، إلا أن صمود سوريا بدعم روسي إيراني وحزب الله، و بقاء مناطق تحت سيادة الدولة السورية،ودخول الفصائل المعارضة والإرهابية في صراعات، وتفقم ضغط اللاجئين على تركيا وأوروبا، كل هذه الأمور دفعت إلى التسليم بضرورة استعادة العلاقات مع سوريا وأن لا جدوى منالقطيعة مع فشل المخطط الاستعماريالصهيوني.

كان الصمود السوري هو الأساس في الانفراجة، لتأتي الاتفاقية الإيرانية السعودية كدفعة جديدة لتعمق هذا المسار، فبعد 8 أيام فقط مناتفاقية طهران والرياض أعلنت سوريا والسعودية عن العمل لعودة العلاقات الرسمية.

مع عودة العلاقات لاتزال أجزاء كبيرة من الأراضي السورية واقعة تحت الاحتلال الأجنبي المباشر كالاحتلال التركي والأمريكي شمال سوريا، وأخرى واقعة تحت سيطرة الجماعات التكفيرية في ادلب، وأخرى واقعة تحت سيطرة الفصائل الكردية المعارضة.

تعتمد سوريا على المبدأ الفيتنامي في ضمان أراضي محررة للانطلاق نحو تحرير ما تبقى من الأراضي المحتلة.

مما لا شك فيه أن هذه الانفراجة ستجعل من قدرة سوريا على استعادة الأراضي المحتلةالحديثة أكبر، وسوف تدفع إلى حوارات سياسية مع القوى المعارضة لتجاوز الخلافات التي تعقد من الأزمة وتمكن القوى الأجنبية من التدخل في الشؤون الداخلية.

ستكون عودةسوريا إلى الجامعة العربية هي المحصلة النهائية لاستعادة علاقاتها مع الدول العربية، فيما النصر الواقعي والنهائي وتجاوز الأزمة سيكون يوم خروج القوات الأجنبية، وفيما تذهب الأمور إلى تسوية سياسية مع تركيا للانسحاب، فليس من المستعد الدخول في معارك مع القوات الأمريكية والضغط عليها للانسحاب،ومن شأن التوافق السياسي مع الفصائل الكردية أن تجعل موقف دمشق أقوى إذ أن الولايات المتحدة تستند على الانقسامات العربية الكردية في وجودها.

تدخل سوريا مرحلة جديدة، لا تعني نهاية الأزمة إنما بداية الطريق الطويل نحو استعادة السيادة الوطنية الكاملة واللحمة الاجتماعية وإعادة الإعمار والتنمية، وهي تحديات صعبة مع الحصار الاقتصادي المفروض “قانون قيصر”.

تتعارض هذه التطورات مع المصالح الأمريكية الصهيونية، وتعد على المستو ى الدولي انتصاراً للمحور الروسي الصيني الإيراني ومحور المقاومة، ومما لا شك فيه أن الكيان الصهيوني سيضاعف من الاعتداءات وستبذل الولايات المتحدة المزيد من الضغط على الدول العربية لحرفها عن هذا المسار، وربما مزيد من العقوبات الاقتصادية على دمشق، ودعم للنزعات الانفصالية الكردية.

بدية الانفراجة

كانت سوريا على مدى السنوات الثلاث الماضية في حالة من الجمود والتقسيم الفعلي، وبناءً على هذا الواقع شن الكيان الصهيوني الاعتداءات على سوريا ضمن استراتيجيته العدوانية “الاحباط المبكر للتهديدات”، إذ يفترض الصهاينة أن إيران ترسخ وجودها في سوريا مع ضعف الدولة المركزية وبالتالي تمثل خطراً على الكيان.

بداية من منتصف يناير الماضي (2023م) بدأت مؤشرات على أن دبلوماسية الحرب السورية تتحرك مرة أخرى، مع مساعي نظام “حزب العدالة والتنمية” في تركيا نحو التقارب مع دمشق والتحالف معه ضد ما يعتبرونه المنطقة الكردية التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني. إذ يبدو أن أنقرة ونتيجة وضعها الاقتصادي وكنوع من البحث عن الانتصارات الخارجية المعززة لشخص أردوغان المقبل على الانتخابات، بدأت تفكر في إعادة منطقة سيطرتها إلى دمشق كجزء من هذا التقارب، فيما في الأسابيع الأخيرة من العام الماضي(2022م) كان رجب طيب أردوغان يهدد بشن هجوم عسكري جديد ضد الأكراد السوريين، وحين لم يجد دعماً دولياً توقف عن هه الخطوة واتجه نحو التقارب مع دمشق لتحقيق ذات النتيجة.

كان للزلازل والهزات الارتدادية المستمرةتأثيراً مدمراً على سوريا، وشهدت بلدات شمال غرب سوريا ، سجلت مناطق أخرى من سوريا، بما في ذلك مدن حلب واللاذقية وحماة، آثاراً كبيرة، فاقم الزلزال من الأزمة الإنسانية المأساوية حيث تراجعت الليرة مطلع هذا العام(يناير 2023م) إلى مستوى منخفض جديد قبل انتعاش طفيف، مما أدى إلى ارتفاع التضخم وتزايد الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

بعد أربعة أيام من الزلزال، توجه الرئيس الأسد وعقيلته لزيارة مدينة حلب التي ضربها الزلزال، وزارا المصابين في مستشفيات محلية، وقبل الزلزال، ذكرت تقارير الأمم المتحدة أن 90 بالمائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

بعد الزلزال ظهر ما يمكن تسميته دبلوماسية الزلازل، كان الزلزال كحدث مهيئلظهور تغيرات السياسة الاقليمية تجاه دمشق.

عودة العلاقات مع سلطنة عمان

في العشرين من فبراير الماضي 2023مقام الرئيس السوري بشار الأسد بأول زيارة عربية منذ 12 عاماً، وكانت بداية لزحزحة العزلة الإقليمية.

كانت سلطنة عمان بين الدول التي سحبت سفراءها من سوريا في عام 2012م ومع ذلك، حافظت مسقط على اتصالات دبلوماسية مع دمشق، وفي عام 2020م أصبحت أول دولة خليجية تعيد سفيرها إلى سوريا.

سارعت الدول العربية إلى تذويب الجليد في العلاقات مع الأسد بعد الزلزال، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي تراجعت عن مقاطعتها الدبلوماسية للحكومة السورية وأرسلت مساعدات إلى سوريا في أعقاب الزلزال، كما شهد التحول حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع الأسد عبر الهاتف لأول مرة بعد الزلزال.

عودة العلاقات مع دولة الإمارات

في 21 مارس الجاري(2023م) زارالأسد دولة الامارات بعد زيارة سلطنة عمان الشهر الماضي، استقبل رئيس الإمارات بشار الأسد وقال: “أجرينا محادثات بناءة تهدف إلى تطوير العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون لتسريع الاستقرار والتقدم في سوريا والمنطقة”، وتعهدت الإمارات بتقديم أكثر من 100 مليون دولار لمساعدة سوريا التي ضربها الزلزال، وأصبح وزير الخارجية الإماراتي أول مسؤول عربي كبير يزور سوريا.

تمثل زيارة الأسد استمراراً لذوبان الجليد المستمر في العلاقات العربية مع سوريا، كانت زيارة الأسد مختلفة من حيث الترحيب الحار الذي لقيه من الإماراتيين، وتوقيت الرحلة وأهدافها.

التقى محمد بن زايد بالأسد في مطار أبوظبي، رافقه طحنون بن زايد، مستشار الأمن القومي الإماراتي، ومسؤولون آخرون رفيعو المستوى. كما رافق الرئيس السوري وفدا من الوزراء مثل الوفد السوري للاقتصاد والتجارة الخارجية.

كان لزيارة الأسد هدفان رئيسيان: الأول سياسي لأن أبو ظبي لها أهمية استراتيجية في المنطقة وتعتبر لاعباً رئيسياً. علاوة على ذلك، لها تأثير كبير في هيئات صنع القرار الدولية، ويُعتقد أن الإمارات يمكن أن تلعب دوراً مركزياً في كسر جليد العلاقات بين المجتمع الدولي وسوريا وتقليل العقوبات الغربية.

أما الهدف الثاني فيمكن اعتباره اقتصادياً، لأن دمشق تحاول أن تجعل أبو ظبي بوابتها الاقتصادية إلى العالم الخارجي واستعادة وضعها الاقتصادي الذي عانت من مشاكل كثيرة منذ سنوات تحت تأثير الحصار الأمريكي والزلزال الأخير.

تأمل دمشق أن تمهد المصالحة الإقليمية الطريق للاستثمار الذي طال انتظاره في إعادة إعمار البلد المنكوب، ومع ذلك، يقول المحللون إن تحقيق هذا الطلب غير مرجح في الوقت الحالي.

وفي 23مارس الجاري (2023م) وكتجسيد لهذه السياسة الجديدةدعت الإمارات إلى نهج جديد في التعامل مع سوريا.

جاء ذلكعلى لسان السفير محمد أبو شهاب نائب المندوبة الدائمة للإمارات في الأمم المتحدة بقوله:”لقد حان الوقت للانتقال إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في سوريا، وأن تطوي الدول صفحات الخلاف لمعالجة الأزمة السورية، بعيدا عن الاستقطاب والانقسامات التي يشهدها النظام الدولي، إذ لا ينبغي التمسك بالمواقف التقليدية والمتصلبة التي تميز وتفرق بين السوري في دمشق والسوري في إدلب”.

عودة العلاقات السورية السعودية

في مايو 2021م تحدث فيه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رغبة بلاده في إنشاء علاقات مميزة مع إيران، كشفت تقارير إعلامية حينها عن لقاءات سرية بين مسؤولين سعوديين وسوريين، تمهيدًا لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

ونقلت صحيفة “رأي اليوم” حينها، عن مصادر دبلوماسية سورية، قولها إن وفدا سعوديا برئاسة رئيس المخابرات السعودي، الفريق خالد الحميدان زار دمشق الاثنين الماضي، والتقى الرئيس السوري بشار الأسد، ونائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية، اللواء علي المملوك.

عادت المؤشرات مجدداً مع الزيارةالتي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى روسيا،منتصف الشهر الجاري (14 مارس 2023م)، حيث اطلق عدة تصريحات ايجابية تجاه السعودية.

حيث قال إن السياسة السعودية اخذت منحىأخر تجاه سوريا في السنوات الأخيرة، وقال بأنها لم تكن في صدد التدخل في الشؤون الداخلية ولم تدعم أي من الفصائل في سوريا.

وفي ذات اللقاء مع “روسيا اليوم”، وأوضح الأسد أن سوريا لم تعد ساحة صراع سعودي – إيراني مثلما كان الوضع في بعض المراحل ومن قبل بعض الجهات.

وكان الأسد في ذات المقابلة قد وصف التقارب السعودي الإيراني بـ”المفاجأة الرائعة”، وقال إن التوافق السعودي الإيراني لا بد أن ينعكس إيجابا على المنطقة بشكل عام، ولا شك سيؤثر على سوريا.

وفي شأن العودة إلى الجامعة العربية وأوضح الأسد أن دمشق لا ترى أن التعاون الثنائي أقل أهمية من العودة إلى جامعة الدول العربية. وأن العودة إلى جامعة ليست غاية في حد ذاتها إذا لم تكن سوريا محل توافق وليس محل انقسام، مؤكدا أن الغاية هي العمل العربي المشترك.

وفي 23 مارس الجاري (2023م)اتفقت الرياض ودمشق على بدء مباحثات بينهما لاستئناف الخدمات القنصلية بحسب ما أكدته الخارجية السعودية، يأتي عقب تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان الشهر الماضي التي أكد فيها أن إجماعا بدأ يتشكل في العالم العربي على أنه لا جدوى من عزل سوريا، وأن الحوار مع دمشق مطلوب في وقت ما.

في 24 مارس(2023م) نقلت رويترزعن ثلاثة مصادر إن سوريا والسعودية اتفقتا على معاودة فتح سفارتيهما بعد قطع العلاقات الدبلوماسية قبل أكثر من عقد.

وبحسب الصحفي عبد الباري عطوان فهنا خلفية تاريخية للاتفاق الأخير،”عام 2017 عندما فكّت السّلطات السعوديّة ارتباطها كُلّيًّا مع المُعارضة السوريّة، وأغلقت مكتبها، وطلبت من كُل العاملين فيه، بِما في ذلك رئيسه مُغادرة البِلاد..في أيلول (سبتمبر) 2020 سمت السعودية بمُرور شاحنات البضائع السوريّة عبر أراضيها إلى الخليج، في كانون أوّل (ديسمبر) عام 2020.. زيارة السيّد محمد مرتيني وزير السّياحة السوري إلى الرياض على رأسِ وفدٍ للمُشاركة في اجتماع لمنظّمة السّياحة العالميّة. الاختِراق الأكبر جاء في شهر أيّار (مايو) عام 2021 المتمثل بمباحثات عن أمنيّة سعوديّة إيرانيّة في دِمشق”.

المراجع:

lantidiplomatico :”ذوبان الجليد السوري. أهداف رحلة الأسد إلى الإمارات” 20 مارس 2023م
سبوتنيك عربي: صحيفة: “وفد سعودي يزور دمشق ويلتقي الرئيس بشار الأسد تمهيدا لعودة العلاقات السعودية السورية”. 2 سبتمبر 2021م
روسيا اليوم: الإمارات: تفعيل الدور العربي لحل الأزمة السورية لا غنى عنه للاستقرار. 23 مارس 2023م
روسيا اليوم: الأسد لـRT: الرياض اتخذت منحى مختلفا تجاه دمشق منذ سنوات (فيديو). 16 مارس 2023م
روسيا اليوم: الأسد يصف التقارب السعودي الإيراني بـ”المفاجأة الرائعة”.. فهل يلتقي ولي عهد السعودية محمد بن سلمان؟. 16 مارس 2023م
روسيا اليوم: كيف اتفقت السعودية وسوريا على استئناف العلاقات؟. 23 مارس 2023م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com