مقالات

ضيق الخيارات الصهيو-أمريكية في التعامل مع حزب الله

محمّد نادر العمري

لبنان وحزب الله في خضمّ معركة وصراع لا يمكن وصفهما بالأمر السّهل، وخصوصاً عندما تكون أدوات الصراع داخلية.

كان واضحاً بعد إجبار قوات الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب من القسم الأكبر من الجنوب اللبناني والبقاع الغربي في 24 أيار/مايو 2000، على أثر الضربات الموجعة والخسائر الكبيرة التي أنزلتها المقاومة بهذا الاحتلال، أنَّ القيادات الأمنية والسياسية للكيان الإسرائيلي تركّز اهتمامها على تصفية حزب الله، نتيجة الفعل المقاوم لهذه الحركة التي غيّرت قواعد الاشتباك مع “إسرائيل” بشكل لم تستطع الدول العربية إحداثه بالشكل المتنامي هذا، بعد أن اكتسبت خبرات قتاليّة ودعماً متسعاً من الفاعلين في المقاومة، وخصوصاً سوريا وإيران.

لذلك، شكَّل عدوان تموز 2006 نقطة التقاء أميركية إسرائيلية على حد سواء في القضاء على حزب الله، بعد محاولة اتهامه بقتل رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري وإخراج القوات السورية من لبنان، إذ سعت أميركا من خلال هذا السلوك العدواني إلى أن يكون القضاء عليه مدخلاً لها لتغيير المعالم الجيوستراتيجية للمنطقة، بما يضمن ديمومة التواجد الأميركي في منطقة الشرق الأوسط.

أما “تل أبيب”، فقد سعت للانتقام لصورتها التي اهتزت نتيجة ضربات المقاومة في الجنوب، وإزالة الخطر على الحدود الشمالية، بعدما انقلبت معالم الحرب النفسية لمصلحة المقاومة، وخصوصاً بعد أن وصف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله “إسرائيل” بأنها “أوهن من بيت العنكبوت”، وهو ما يفسر استخدام القوة الفائضة في قتل البشر وتدمير الحجر والدعم اللامتناهي أميركياً لـ”إسرائيل” سياسياً في مجلس الأمن، وعسكرياً عبر الدعم المفتوح وتزويدها بكل أنواع الأسلحة.

ولكنّ فشل عدوان 2006 دفع النخبة السياسية والعسكرية في “تل أبيب” إلى المسارعة إلى البحث عن سبل إضعاف حركة المقاومة الإسلامية “حزب الله”، من خلال استهداف القوى الفاعلة في محور المقاومة، بحيث يؤدي سقوط هذه القوى أو انشغالها بمشاكل داخلية إلى ضعف الدعائم الخلفية للحزب سياسياً وعسكرياً، وربما يؤدي، وفق التفكير الصهيو_أميركي، إلى تقلّص دور الحزب وتصدّعه تلقائياً، فتم فرض العقوبات على إيران بذريعة برنامجها النووي، وبدأت الحرب على سوريا ضمن إطار ما سُمي بـ”إسقاط النظام” أو “تغيير سلوكه”.

ولكن تلك التطورات، أي عشرية النار التي شهدتها سوريا، وصيغة العقوبات، ومن ثم الإغراءات، وصولاً إلى العقوبات القصوى التي شهدتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لم تنضج مفاعيلها، كما تم التخطيط لها، لتخدم المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة، بل جاءت بنتائج عكسية تماماً، كان أبرزها تحول حزب الله من قوى عسكرية مقاومة داخل لبنان إلى قوى إقليمية فاعلة ومؤثرة في النظام الإقليمي، نتيجة خبراته وقدراته القتالية وحلقة علاقاته المتسعة، بما في ذلك العلاقة مع الاتحاد الروسي، فضلاً عن تداخل جبهات المقاومة وازدياد المرونة في التحرك بين قوى المحور.

هذا الأمر دفع إدارة دونالد ترامب إلى تكثيف جهودها دولياً وإقليمياً، وحتى بين حلفاء أميركا لبنانياً، لعزل حزب الله، وشيطنة صورته، وتحميلة مسؤولية ما قد تؤول إليه الأحوال في الداخل اللبناني، وهو ما عبر عنه صراحة وزير الأميركي السابق مايك بامبيو أثناء زيارته السريعة لبيروت في آذار/مارس 2019، بقوله: “على اللبنانيين أن يختاروا إما إخراج حزب الله من المشهد السياسي وعزله، وإما تحمّل العقوبات”.

لقد كان واضحاً أن هذا التصريح يهدف إلى تأليب الرأي العام اللبناني على حركة المقاومة، وسرعان ما تحركت القوى الحليفة لواشنطن، والمتمثلة بقوى 14 آذار، لتطبيق ذلك بالتنسيق والتشاور مع مساعد وزير الخارجية الأميركية حينها وعراب الفوضى اللبنانية ديفيد هيل، الذي طبّق معالم الاستراتيجية الإسرائيلية بحذافيرها ضمن شقين؛ الأول هو إغراق المقاومة في مستنقع فتنوي داخلي، على غرار الحرب الأهلية (1975_1989)، وهو ما كشفته صحيفة “إيديعوت أحرونوت” في وقت متأخر من العام 2021، عندما أكَّدت أنَّ رئيس مجلس الأمن الإسرائيلي السابق، اللواء غيورا إيلاند، سبق أن طلب من الولايات المتحدة دفع الأزمة في لبنان إلى حدٍّ وضعه أمام خيارين: المجاعة وفقدان فرصة التعافي، أو تخلّي المقاومة عن قدراتها النوعية والدقيقة، من خلال الربط بين تقديم المساعدات الغربية للبنان والخضوع للمطالب الإسرائيلية.

أما الشق الثاني، فيتمثل بإيجاد حالة توازن داخلي تقيّد حركة المقاومة في المبادرة والردّ، والوصول إلى مرحلة تأليب جمهور المقاومة عليها وإفقادها حاضنتها الشعبية، الأمر الذي يضعف نفوذها وثقلها سياسياً وعسكرياً، وهو الدور الذي لم تخفه “إسرائيل” في استهداف المقاومة، بعد إدراكها أنّ أيّ قوة داخلية لبنانية لا يمكنها القضاء على المقاومة، ولا تمتلك الإمكانيات لذلك، ولن تنجح في نزع أسلحتها المتراكمة، وأن تكرار أي تجربة عسكرية إسرائيلية على غرار العام 2006، ستكون حماقة ومغامرة لن تعجز عن تحقيق أهدافها فحسب، بل ستكبّد الاحتلال نتائج قد لا يتصوّرها، وقد لا يكون له وجود لدراسة آثارها.

هذا الواقع الفوضوي الّذي أرادته “إسرائيل” وطبّقته أميركا، تزامن مع تسارع دائرة الدول المطبعة مع حكومة الاحتلال، إذ راهنت “تل أبيب” على إنعاش اقتصادها وتمرير مشاريعها في المنطقة، من خلال الشرعية المؤيّدة لها من قبل هذه الدول المطبعة التي سارعت من جانبها إلى تضييق الخناق على اللبنانيين عموماً، وحزب الله بصورة خاصة، نتيجة ارتباطه مذهبياً وسياسياً بالجمهورية الإسلامية، ودعمه صمود سوريا، ناهيك بالموقف الصلب الذي اتخذه في ما يتعلّق بعدوان اليمن ومساهمته في القضاء على الإرهاب في العراق.

من هنا، يمكن قراءة إقدام كلٍّ من أستراليا، ومن ثم بريطانيا، على تصنيف هياكل حزب الله السياسية والعسكرية كمنظمة إرهابية، على غرار ما تبنّته وزارة الخزانة والخارجية الأميركية، فهي وإن لم تكن سياسة جديدة، ويمكن وصفها بأنها قديمة جديدة، إلا أنَّها من حيث التوقيت تحمل الكثير من الأهداف، والتي تتمثل بـ:

أولاً، قرب موعد الانتخابات النيابية البرلمانية اللبنانية، المزمع عقدها بداية ربيع 2022، وسعي خصوم حزب الله لانتهاج سياسة داخلية متمثلة بتضييق الحصار على حاضنته الشعبية، بالتعاون مع قوى حزبية ورموز سلطوية لبنانية داخلية، وتشويه صورته على المستوى الإقليمي والدولي، وزيادة رقعة الدول المصنّفة له منظمة إرهابية، وخصوصاً دولتي اتفاق “أوكوس” الأخير، أي أستراليا وبريطانيا، بعد فشل جرّ الحزب إلى اقتتال داخلي على أثر حادثة الطيونة “المدبرة”، وتمكّن الحزب من استقدام النفط وحماية السفن من الحدود البحرية الإيرانية إلى الشواطئ اللبنانية.

ثانياً، رغبة “إسرائيل”، بدعم من الولايات المتحدة الأميركية، في التوصل إلى اتفاق على رسم الحدود البحرية قبل شهر آذار/مارس المقبل، وهو موعد بدء الاحتلال الإسرائيلي بالتنقيب عن النفط في حقل “كاريش”، لضمان ألا يتعرّض هذا الحقل لأي خطر أثناء عمليتي التنقيب والاستخراج، وخصوصاً بعد التزام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في نهاية تشرين الأول/أكتوبر بتدخّل المقاومة عندما تتعرض حقوق اللبنانيين للخطر نتيجة سلوك الاحتلال.

لذلك، إنَّ أحد أهداف هذا التّصعيد هو دفع اللبنانيين، مع اقتراب زيارة الوسيط الأميركي عاموس هوكشتين للبنان، في ظل الظروف المعيشية المتردية، إلى القبول بالتسوية الأميركية التي تلبّي المصالح الإسرائيلية أو التوصل إلى صيغة توافق على شكل رسم خط بياني متعرّج يفصل بين حقل “قانا” لمصلحة لبنان، وحقل “كاريش” المستثمر إسرائيلياً، على أن تتولى إحدى الدول المتفق عليها عملية التنقيب للجانبين.

ثالثاً، رغبة أميركية جراء هذا الضغط في إقناع إيران بالجلوس على طاولة مفاوضات حول برنامجها النووي، وقبولها ببعض الشروط الأميركية، أو تطبيق الاتفاق السابق مقابل رفع تدريجي للعقوبات، وتخفيف الضغط على حزب الله، وإيجاد تسوية في سوريا.

في الحقيقة، لبنان وحزب الله في خضمّ معركة وصراع لا يمكن وصفهما بالأمر السّهل، وخصوصاً عندما تكون أدوات الصراع داخلية، وتستهدف لقمة العيش والدواء ومقوّمات الحياة الأساسية، ولكن في المقابل، ألم تستطع حركة المقاومة الإسلامية أن تسقط مقولة أول رئيس حكومة إسرائيلي بن غوريون، عندما طلب من الإسرائيليين أن ينهكوا العرب بحروب، ليطالبوا بـ”السّلام” مع الكيان وعدم تحدّيه، فصارت الصورة عكسية، وباتت “إسرائيل” تصرّح لوسائل الإعلام، وتناشد الأمم المتحدة لحمايتها من المقاومة وقدراتها؟

المصدر / الميادين نت

مقالات ذات صلة