تقاريرمقالات

حروب الدرونز الأميركية الأبدية(3): هكذا يُحدد الهدف

د. علي دربج – باحث ومحاضر جامعي

بين فترة وأخرى نسمع عن ضربة لطائرة من دون طيار نفذتها الولايات المتحدة في مكان ما في العالم. هنا حدود معرفتنا، تقف عند النتائج التي خلفتها الغارة، وردات الفعل التي تليها.

لكن هل سألنا أنفسنا يومًا عن الظروف التي تعطي بموجبها حكومة الولايات المتحدة لنفسها الحق في إصدار حكم بالإعدام على الأفراد، دون تقيدها بالضوابط والموازين المقررة للاعتقال والمحاكمة والاستئناف؟ وما هي المراحل والمسار الذي تسلكه عملية الاغتيال لجهة التحضيرات والاجراءات التي تتطلبها وصولًا الى اعطاء الأمر بضرب الهدف المُعيّن؟

اليكم الجواب

عمليًا، إن الحرب الأبدية التي أطلقتها واشنطن بذريعة “الحرب العالمية على الارهاب” بواسطة الطائرات دون طيار، والتي خاضها لغاية اليوم أربعة رؤساء أمريكيون، أحيطت بالسرية المفرطة الى أن كشفت بعض تفاصيلها دراسة أجراها كيان تابع للبنتاغون في أيار 2013، هو “فرقة العمل المعنية بالاستخبارات والمراقبة والاستطلاع” ISR) Intelligence, Surveillance, and Reconnaissance Task Force)، وجرى تسريبها الى صحيفة “ذا انترسبت” الاميركية في العام 2015. قدّمت هذه الدراسة فكرة حول “حملة الاستهداف ذات القيمة العالية” (وهي تسمية أطلقتها على هذه النوع من العمليات بواسطة طائرات دون طيار)، التي نفذتها وحدات سرية في الجيش الامريكي في عدة مناطق في العالم خصوصًا في الشرق الأوسط.

أسِفت الدراسة للقيود المفروضة على برنامج الطائرات من دون طيار، داعية إلى استخدام طائرات من هذا النوع أكثر تقدمًا وطائرات مراقبة أخرى. وأوصت بالاستخدام الموسع للسفن البحرية لتوسيع نطاق عمليات المراقبة اللازمة للضربات المستهدفة. واقترحت كذلك، إنشاء مطارات جديدة “تتسم بالتحدي السياسي”. واقترحت القبض على المزيد من الإرهابيين المشتبه بهم واستجوابهم، بدلًا من قتلهم في ضربات الطائرات من دون طيار.

كانت فرقة عمل الاستخبارات ISR، في ذلك الوقت، تحت سيطرة مايكل فيكرز، وكيل وزارة الدفاع للمخابرات. لطالما دفع فيكرز، وهو من أشد المؤيدين لضربات الطائرات من دون طيار وشخصية عسكرية شبه أسطورية، من أجل زيادة كبيرة في استخدام الجيش لقوات العمليات الخاصة.
في ذات الشهر، الذي تم فيه توزيع دراسة الاستخبارات والأمن الداخلي، وقّع الرئيس باراك أوباما على توجيهات السياسة العامة بشأن استخدام القوة في عمليات مكافحة الإرهاب في الخارج. قال مسؤول كبير في الإدارة الامريكية إن “هذه المبادئ التوجيهية لا تزال سارية المفعول حتى يومنا هذا”.

الآن لنتعرف على آلية اعطاء الرئيس الاذن بتنفيذ الاغتيال، وماذا يعني إنشاء “بطاقة بيسبول للهدف”.

تتيح الدراسة نظرة ثاقبة جديدة لسلسلة القتل التي كانت وما زالت تقوم بها الولايات المتحدة، بما في ذلك المخطط التفصيلي الذي يمتد من جمع المعلومات الإلكترونية والبشرية وصولًا إلى مكتب الرئيس.

بداية، يجمع أفراد المخابرات الأمريكية معلومات عن الأهداف المحتملة، مستمدة من قوائم المراقبة الحكومية وعمل وكالات الاستخبارات والجيش وإنفاذ القانون. وأثناء قيامهم بدراسة الشخص (الهدف) الموضوع على قائمة القتل، يعمد محللو المخابرات الى إنشاء صورة للمشتبه به، والتهديد الذي يمثله ذلك الشخص، ثم يتم جمع هذه المعلومات وترتيبها بشكل منسّق يُعرف باسم “بطاقة بيسبول”.

في المرحلة التالية، يجري العمل على تجميع هذه المعلومات مع المعلومات التشغيلية وتعبئتها في “ملف معلومات عن الهدف المحدد” لتأتي الخطوة الثانية وهي تعيين موظفين من مستويات عليا، لاتخاذ الاجراء المناسب. يستغرق الرئيس حوالي 58 يومًا للتوقيع على هدف. في ذلك الوقت، يكون أمام القوات الأمريكية 60 يومًا لتنفيذ الضربة.

لايضاح الأمور أكثر، يعتمد نظام إنشاء “بطاقات البيسبول” إلى حد كبير على عمليات اعتراض المعلومات الاستخباراتية، ونظام متعدد الطبقات للتفسير البشري غير القابل للخطأ وفق التوصيف الأمريكي. في مناطق الحرب غير المعلنة، أصبح الجيش الأمريكي يعتمد بشكل مفرط على استخبارات الإشارات، أو الاتصالات، لتحديد الأشخاص وتعقبهم وقتلهم في نهاية المطاف.

المفارقة العجيبة أن الدراسة تقرّ أن استخدام البيانات الوصفية من الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، وكذلك اعتراض الاتصالات، هي طريقة رديئة للعثور على الأشخاص المستهدفين وقتلهم. أكثر من ذلك وصفت الدراسة قدرات الاشارات والاتصالات في ساحات القتال غير التقليدية بأنها “ضعيفة ومحدودة”. ومع ذلك، فإن مثل هذا الجمع للمعلومات، شكل أكثر من نصف المعلومات الاستخباراتية المستخدمة لتتبع عمليات القتل المحتملة في اليمن والصومال.

ما يثير الدهشة، أن دراسة ISR، قالت إن هذه الإخفاقات تعتبر عائقًا تقنيًا للعمليات الفعالة، متجاهلة حقيقة أن المعلومات الاستخبارية الخاطئة أدت إلى مقتل أشخاص أبرياء، بمن فيهم مواطنون أمريكيون، في ضربات بطائرات من دون طيار.

هل تكون معلومات الاستخبارات عن الهدف دقيقة دائمًا؟ فلنقرأ معًا.

أكد مصدر داخل مجتمع الاستخبارات لـ “ذا انترسبت” ــ مطلع على عمل أنواع العمليات والبرامج ـــ عدم موثوقية البيانات الوصفية، المحصّلة في أغلب الأحيان من اعتراض الاتصالات الهاتفية والكمبيوتر. وقال إن “مصادر هذه المعلومات، التي تم تحديدها من خلال رقم الهاتف أو عنوان البريد الإلكتروني، هي الأدوات الأساسية التي يستخدمها الجيش للعثور على أهدافه وقتلها”.

وأضاف المصدر إن “هذه المعلومات، تتطلب قدرًا هائلاً من الثقة بالتكنولوجيا التي تستخدمها، فهناك حالات قتل لا حصر لها، تبين فيما بعد أنها بُنيت على معلومات استخباراتية كانت خاطئة”، واعتبر أن “هذا عامل أساسي في قتل المدنيين”. المصدر تحدث عن عدد مذهل من الحالات التي أسيء فيها وضع علامات على أشخاص معينين، وتابع “لم تمر عدة أشهر أو سنوات حتى تعلم فجأة، أنه طوال الوقت الذي اعتقدت فيه أنك تسعى وراء هذا الهدف المثير حقًا، انتهى بك الأمر مدركًا أنه كان هاتف والدته”.

هنا ثمة نقطة مهمة يجدر بنا معرفتها -وتظهر الخفة التي تتعاطى بها الولايات المتحدة مع خطف أرواح البشر- وقد أشار إليها المصدروهي أن “النظرة الداخلية من مجتمع العمليات الخاصة للأشخاص الذين تستهدفهم الولايات المتحدة بغارة بطائرة من دون طيار هي أنه ليس لديهم حقوق أو كرامة أو إنسانية، بل هم مجرد رموز للمحلل الذي لا يشير إليهم باسمهم الفعلي”. وتابع إن “هذه الممارسة تساهم في نزع الصفة الإنسانية عن الناس قبل مواجهة السؤال الأخلاقي المتمثل بـ”هل هذا قتل مشروع أم لا؟”.

كيف تعيق أو تسرّع الجغرافيا السياسية عمليات الاغتيال بواسطة الدرونز؟ لنكتشف الأمر سويًا

في أفغانستان والعراق، كانت وتيرة الضربات الأمريكية أسرع بكثير مما كانت عليه في اليمن والصومال. غير أن هذا يرجع في جزء كبير منه إلى حقيقة أن أفغانستان والعراق تم إعلانهما منطقتي حرب. ففي العراق تمكنت الولايات المتحدة من شن هجمات من قواعد أقرب إلى الأشخاص المستهدفين.

وعلى النقيض من ذلك، تعد كل من الصومال واليمن، منطقة حرب غير معلنة، لذا كانت الضربات “مبررة” بموجب قيود أكثر صرامة، حيث اعتمد مخططو الهجمات الأمريكيون “بيروقراطية ثعبانية” للحصول على الموافقة على الاغتيال. من هنا كانت عمليات الاستهداف مُركّزة في هذه البلدان و”أقل بكثير مما هي عليه في العراق وأفغانستان” بسبب العوامل المقيدة.

حتى بعد موافقة الرئيس على هدف في اليمن أو الصومال، فالمسافة الكبيرة بين قواعد وأهداف الطائرات من دون طيار خلقت تحديات كبيرة للقوات الأمريكية، وهي تتمثل بمشكلة يشار إليها باسم “استبداد المسافة”. في العراق، تم تنفيذ أكثر من 80 بالمائة من “عمليات القتل”، حيث كانت المسافة بين الهدف والقاعدة الجوية التي انطلقت منها طائرة من دون طيار تقدر بحوالي 150 كيلومترًا.

بالمقابل بلغ متوسط المسافة في اليمن نحو 450 كيلومترا، وفي الصومال أكثر من ألف كيلومتر. في إحدى العمليات استغرقت الولايات المتحدة حوالي ست سنوات لتطوير هدف في الصومال، ولكن تطلبت عملية القتل لهذا الهدف قرابة ثمانية أشهر بمجرد موافقة الرئيس على إضافته إلى قائمة القتل.
تنص معايير سياسة البيت الأبيض المتاحة للجمهور على أنه لن يتم إطلاق “القوة المميتة” إلا ضد الأهداف التي تشكل “تهديدًا مستمرًا ووشيكًا للأشخاص الأمريكيين” وفق الزعم الأميركي.

مثل هذا الأساس، قد يكون منطقيًا في سياق الحرب المعلنة التي يكون فيها الأفراد الأمريكيون على الأرض بأعداد كبيرة، كما كان الحال في أفغانستان مثلًا. لكن في الحقيقة، هذا المعيار غامض لدرجة أنه لا معنى له تقريبًا في بلدان مثل اليمن والصومال، حيث لا يتواجد سوى عدد قليل من الأفراد الأمريكيين.

وفي حين أن العديد من الوثائق المقدمة إلى “ذا إنترسبت” تحتوي على توصيات داخلية صريحة لتحسين الحرب الأمريكية غير التقليدية، قال المصدر إن “العقلية المنعكسة في الوثائق الخاصة ببرامج الاغتيال هي: هذه العملية يمكن أن تنجح. يمكننا حل مكامن الخلل. يمكننا أن نعذر الأخطاء. وفي النهاية سنصل إلى النقطة التي لا نضطر فيها إلى العودة باستمرار، وشرح سبب مقتل مجموعة من الأبرياء”.

من هنا، لا جدال أن مهندسي هذه الحرب الأبدية، لا يهتمون بتأثيرها الدائم أو بتداعياتها الأخلاقية، ولا يكترثون بحياة وإنسانية الناس الذين سيتعين عليهم التعايش مع هذه الاغتيالات في هذا الكوكب. والسبب أن هناك من قرر أن هذه الحروب مستمرة ما دامت الكلمة العليا في البنتاغون لمقاولي الدفاع.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق