العرض في السلايدرتقارير

الأجنحة الخطرة التي تقلق “إسرائيل” وواشنطن

محمد منصور

مثّل استهداف “ميرسير ستريت”، سابقة في تاريخ الحوادث البحرية، حيث لم يسبق استخدام الطائرات المسيّرة في أي هجمات بحرية على الإطلاق.

تكرّست عبر السنوات الأخيرة معادلات ردع عسكرية في الشرق الأوسط، تعددت أطرافها وأدواتها، منها تلك المعادلات التي كانت الطائرات من دون طيار أداتها الأساسية، وهو ما توسعت فيه دول عديدة منها إيران وتركيا، إلى درجة حوّلت هذه الطائرات من مجرد وسيلة للاستطلاع تحمل قدرات هجومية، إلى سلاح ردع قائم بذاته، يعطي لمن يمتلكه القدرة على توجيه ضربات دقيقة ومؤثرة، بأقل التكاليف والمخاطر.

هذه المعادلات قرأتها جيداً دول المنطقة، وكذلك الدول الكبرى التي تحتفظ بمصالح تاريخية فيها، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي تطرّق رئيسها بوضوح خلال خطابه في قمة الدول العشرين الصناعية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلى المخاطر التي باتت الطائرات من دون طيار الإيرانية تمثّلها على المصالح الأميركية في المنطقة، بعد الهجوم على قاعدة “التنف” الأميركية قرب الحدود بين سوريا والعراق، والذي كان محطة أخرى من المحطات الأساسية التي تم من خلالها تأكيد أهمية هذه التقنية، ونجاعتها في فرض المعادلات الميدانية والجيوسياسية.

أهمية هذه التقنية على المستوى التكتيكي، عبّر عنها بشكل واضح في نيسان/أبريل 2021 قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي، الذي اعتبر أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت “أرضية ثابتة لانتشار واستخدام الأنظمة الهجومية المسيّرة، التي يعود تطوير وتصنيع جزء كبير منها لإيران”. وفي هذا الصدد أشارت تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن تكتيك طهران في هذا الصدد يُعَدّ جزءاً من استراتيجيتها العامة التي تستهدف تقليص الهامش المتولّد من ميل ميزان القوى العسكرية التقليدية لمصلحة الولايات المتحدة، وهذا التكتيك أدّى فعلياً إلى منح المطوّرين الإيرانيين خبرة ميدانية قتالية ثمينة، أفادتهم في تطوير الأنظمة الإيرانية المسيّرة بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.

بشكل عام، بدأت طهران منذ ثمانينيات القرن الماضي رحلة تطوير الطائرات من دون طيار، حيث كانت الحرب العراقية – الإيرانية نقطة البداية الحقيقية لاستخدام الطائرات من دون طيار في منطقة الخليج. خلال المعارك، بدأ الجيش الإيراني – المتأثر بنقص قطع غيار طائراته المقاتلة الأميركية الصنع آنذاك – بدراسة إمكانيات الإنتاج المحلي لطائرات استطلاعية من دون طيار، وذلك لتجنب مخاطر استخدام النسخ الاستطلاعية من الطائرات المقاتلة العاملة في سلاح الجو الإيراني. لذا، لجأ عدد من الجامعات والمصانع العسكرية المرتبطة بحرس الثورة الإيراني، بداية من عام 1983، إلى تطوير طائرة من دون طيار لخدمة هذا الغرض.

تُعَدّ شركة القدس للصناعات الجوية، وشركة تصنيع الطائرات الإيرانية (HESA) ، من بين أهم المراكز التي عملت خلال هذه الحقبة في تصميم وتصنيع الطائرات من دون طيار لمهامّ المراقبة والاستطلاع.

بحلول عام 1985، قامت شركة القدس للصناعات الجوية، مدفوعة بحاجة الجيش الإيراني الميدانية إلى إجراء عمليات استطلاع مستمرة للخطوط العراقية، بإنتاج نموذج لطائرة صغيرة من دون طيار، وقامت بتجهيزها بكاميرات منخفضة الدقة، وقد تمكنت هذه النماذج من التقاط صور مقبولة من عمق ثلاثة كيلومترات من المواقع العراقية. في ظل هذا النجاح، بدأت هذه الشركة في العام نفسه بإنتاج الطائرة من دون طيار (مهاجر-1). يُزوّد هذا النوع من الطائرات من دون طيار بكاميرا ثابتة واحدة مزوّدة بفيلم فوتوغرافي، يجري تظهيره بعد هبوط الطائرة من أجل الحصول على الصور التي تم التقاطها.

تم تشغيل طائرات (مهاجر-1) من جانب كتيبة (رعد) التابعة لحرس الثورة، التي تم إنشاؤها من أجل الإشراف على عمليات هذه الطائرات، انطلاقاً من الأحواز ومناطق أخرى في محافظة خوزستان الحدودية. كان أول استخدام ميداني معروف لهذا النوع من الطائرات، هو ضمن عملية (الفجر-8) عام 1986، وكذلك في عملية (كربلاء-5) في العام التالي، وقد نفّذ هذا النوع نحو 619 طلعة جوية بحلول نهاية الحرب، والتقط ما مجموعه 53772 صورة بين عامي 1986 و1988، تغطي مساحة قدرها 18570 كيلومتراً مربعاً.

لبنان.. بداية توسيع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة
نجاح تجربة طائرات (مهاجر-1) خلال هذه الحرب، دفع طهران إلى المضي قدماً، خلال عقد التسعينيات، في تطوير أجيال أخرى من هذه الطائرات، بحيث وصلت إلى قدرة فنية وتصنيعية مقبولة سمحت لها منذ العام 2004، ببدء توريد هذه التقنية إلى أطراف آخرين في الشرق الأوسط، أوّلهم كان حزب الله في لبنان.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2004، أطلق الحزب طائرة من دون طيار من جنوب لبنان، قامت بتنفيذ مهمة استطلاعية لمدة 20 دقيقة في أجواء مستوطنة (نهاريا) شمال فلسطين المحتلة، وكانت هذه الطائرة من نوع (مرصاد-1)، والتي تطابق في تصميمها طائرات (أبابيل) الإيرانية الصنع، حلّقت في أجواء مدينة عكا شمال فلسطين المحتلة، وذلك رداً على اختراقات سلاح الجو الإسرائيلي للأجواء اللبنانية.

هذه التجارب آتت ثمارها لاحقاً خلال الحرب على لبنان عام 2006، فقد استخدم الحزب ما لا يقل عن ثلاث طائرات من دون طيار من نوع (مرصاد-1) خلال المعارك، وأشارت التقديرات حينذاك إلى أن كل طائرة من الطائرات الثلاث كانت تحمل رأسًا متفجراً تراوح زِنته بين 40 و50 كيلوغراماً، وحاولت استهداف مواقع استراتيجية داخل فلسطين المحتلة. وقد أخذ “جيش” الاحتلال الإسرائيلي هذه الهجمات حينذاك بجدية بالغة، إلى درجة أنه أوعز إلى مقاتلات سلاحه الجوي من نوع (أف-16) بالإقلاع وإسقاط الطائرات الثلاث بالقرب من مدينة صور اللبنانية، وحيفا والجليل الغربي داخل فلسطين المحتلة، وأثبت فحص حطام هذه الطائرات أنها كانت تحمل مواد متفجرة.

وسّع حزب الله من استخدامه للطائرات من دون طيار، وكانت البداية في تشرين الأول/أكتوبر 2012، حين أطلق الحزب طائرة استطلاعية من دون طيار من نوع (أيوب) – وهي نسخة من الطائرات الاستطلاعية الإيرانية (شاهد-129) – في مهمة استطلاعية فوق مفاعل ديمونة الإسرائيلي، وظلت هذه الطائرة تنفذ مهامها في أجواء فلسطين المحتلة لثلاث ساعات كاملة قبل أن تسقطها مقاتلة إسرائيلية من نوع (أف-16). تكررت هذه الحادثة مرة أخرى في نيسان/أبريل 2013، حين أسقطت مقاتلة إسرائيلية طائرة من دون طيار من النوع نفسه، على بعد عشرة كيلومترات غرب مدينة حيفا، وهو حدث فسّرته الأوساط الإسرائيلية آنذاك بأنه تحذير من إمكان استهداف منصات التنقيب عن الغاز قبالة سواحل فلسطين المحتلة.

رغم الحصار.. فلسطين تشهد استخدام التقنيات المسيّرة
وجود التقنيات المسيّرة في فلسطين، وتحديداً في حوزة حركة حماس، لم يظهر بشكل واضح إلا في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، حين نشر “الجيش” الإسرائيلي تسجيلاً مصوراً يظهر محاولة عناصر من الحركة اختبار تحليق طائرة من دون طيار. تأكيد وجود هذه التقنية في حوزة الحركة جاء خلال الحرب على غزة في تموز/يوليو 2014، حين كشفت الحركة عن امتلاكها ثلاثة أنواع من الطائرات من دون طيار، تحت اسم أبابيل (إيه – بي – سي)، كان النوع الأول مخصّصاً للاستطلاع، والثاني كان مسلحاً بأربعة صواريخ، والثالث كان مصمّماً للعمل كذخيرة جوّالة (انتحارية).

على الرغم من عدم وجود توثيق واضح يؤكد إذا ما كانت هذه الطائرات قد استُخدمت خلال الحرب أو لا، إلا أن حركة حماس تبنّت حينذاك ثلاث مهمات قامت هذه الطائرات بتنفيذها في أجواء فلسطين المحتلة؛ واحدة في أجواء “تل أبيب”، وأخرى في أجواء أسدود، والثالثة في أجواء مدينة عسقلان. التطابق الشديد بين تصميم هذه الطائرات وتصميم الطائرة الإيرانية من دون طيار (سرير-1)، التي كانت طهران قد بدأت بإنتاجها عام 2013، جعل “تل أبيب” تستنفر قواها لمحاولة منع وصول المزيد من هذه التقنيات إلى حركة حماس، ومن هذا الإطار يمكن قراءة اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري، في كانون الأول/ديسمبر 2016، نظراً إلى دوره الكبير في تطوير القدرات المسيّرة لحركة حماس.

رغم هذه الضربة، ضاعفت حركة حماس من اعتمادها الميداني على الطائرات من دون طيار، ونفّذت خلال عامي 2018 و2019، نحو سبع محاولات هجومية باستخدام طائرات من دون طيار في فلسطين المحتلة.

تطور القدرات المسيّرة الموجودة في حوزة الحركة، ظهر جليّاً في أيار/مايو الماضي، خلال معركة “سيف القدس”، حيث ظهرت خلال هذه المعركة للمرة الأولى الطائرات الانتحارية من دون طيار “شهاب”، التي تشبه في تصميمها إلى حد كبير طائرات “أبابيل” الإيرانية. استخدمت كتائب القسام هذه الطائرات بشكل فعال جداً، لاستهداف مواقع قوات الاحتلال الإسرائيلي ومرابض المدفعية الموجودة في مستوطنات غلاف غزة، ولا سيما مستوطنات “سدوت نحيف” و”شاعر هنيعف” و”أشكول”، وتميزت هذه الطائرات بالدقة الشديدة في هجماتها، كما ظهر خلال الهجوم على مصنع للكيماويات في مستوطنة “نير عوز”.

يُضاف إلى ذلك التطور، تحسّن تكتيكات استخدام حركة حماس للجانب الاستطلاعي من الطائرات من دون طيار، حيث لم يعد دورها مقتصراً على الاستطلاع الحر للمواقع المحيطة بقطاع غزة، بل تم استخدامها – خاصة طائرة “الزواري” الاستطلاعية – في الرصد الدقيق لتحركات مدرعات “الجيش” الإسرائيلي في مستوطنات غلاف غزة، بالشكل الذي يعطي لطواقم الصواريخ ومدافع الهاون وكذلك لمشغّلي الطائرات من دون طيار، إحداثيات دقيقة ومحدثة للمواقع الحالية التي تمثّل مخاطر على العمل المقاوم، وبالتالي كانت الهجمات الصاروخية التالية من غزة تتّسم بأكبر قدر ممكن من الدقة.

اليمن.. ميدان واسع لاستخدام الطائرات من دون طيار
التجربة اليمنية في مجال الطائرات من دون طيار كانت لافتة ومؤثرة، نظراً إلى أن استخدام هذه التقنية من جانب حركة أنصار الله كان مكثفاً، خاصة خلال السنوات الأخيرة. بدأت الحركة منذ عام 2018، باستخدام أربعة أنواع من الطائرات المحلية الصنع. النوع الأول هو طائرة الاستطلاع وتصحيح النيران (راصد)، إضافة إلى الطائرة (هدهد-1) التي يصل مداها إلى 30 كلم، والطائرة (رقيب)، وهي طائرة استطلاع ميداني قريب يبلغ مداها 15 كلم. الطائرة الرابعة كانت (صماد-1)، التي يصل مداها الأقصى إلى 500 كيلومتر، وقد تمّ تطوير ثلاثة أجيال أخرى من هذه الطائرة، تحت اسم صماد (2-3-4).

انتقلت الترسانة اليمنية من الطائرات المسيّرة إلى مستوى جديد ومتقدم في نيسان/أبريل 2018، بظهور أول ذخيرة جوّالة في تسليح الجيش اليمني، وهي (قاصف-1)، المشتقة من الطائرة الإيرانية الصنع (أبابيل)، وهي عبارة عن طائرة انتحارية من دون طيار مزوّدة بمحرّك يعمل بالبنزين يوفّر لها مدى يصل إلى 150 كيلومتراً، وقد تم الإعلان عن الجيل الثاني والثالث منها عام 2019، وتم استخدامها في الهجوم الواسع الذي شنّته حركة أنصار الله في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، على المنشآت النفطية في بقيق وهجرة خريص بالمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية.

آخر أنواع الذخائر الجوّالة التي تم رصدها في تسليح حركة أنصار الله، هي الذخيرة الجوالة (قاصف-تو كيه). وقد تم استخدامها للمرة الأولى في كانون الثاني/يناير 2019، لاستهداف قاعدة العند الجوية جنوب اليمن، وتتميز بأنها لا تصطدم بشكل مباشر بالهدف كما هي الحال في الذخائر الجوالة المماثلة، لكنها عوضاً عن ذلك تنفجر فوق الهدف بمسافة تراوح بين 10 إلى 20 متراً، ما يسهم في نشر الموجة التدميرية بطريقة أكثر فعالية.

تجربة الحشد الشعبي في العراق
شهد عام 2015 الظهور الأول للتقنيات الإيرانية المسيّرة في حوزة وحدات الحشد الشعبي، وتحديداً فيلق بدر، الذي استخدم في أيار/مايو للمرة الأولى الطائرة الاستطلاعية الإيرانية (أوغاب-1)، وتبعه استخدام كتائب جند الإمام علي للطائرة الإيرانية من دون طيار (ياسر).

كان استخدام هذه الأنظمة المسيّرة مركّزاً في تلك المرحلة على مواجهة تنظيم داعش، لكن لوحظ بداية من نيسان/ابريل الماضي، استهداف المواقع والمصالح الأميركية في العراق، بأنواع عديدة من الذخائر الجوالة (الانتحارية)، منها مبنى داخل مطار أربيل الدولي في كردستان العراق، وهجوم آخر على قاعدة عين الأسد الجوية.

على الرغم من تبنّي بعض الجماعات غير المعروفة – مثل لواء خيبر – لهذه الهجمات، كانت نوعية التقنيات المستخدمة مؤشراً على أن هذه الهجمات هي جزء من الصراع الجيوسياسي الحالي بين محور المقاومة وبين الولايات المتحدة الأميركية، ولا سيما أن إدارة بايدن قامت في حزيران/يونيو الماضي بشن ضربة جوية انتقامية ضد كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء، الفصيلين اللذَين اتهمتهما بالضلوع في تنفيذ هذه الهجمات.

يُضاف إلى ذلك إعلان الحشد الشعبي بشكل واضح امتلاكه لقدرات مسيّرة مهمة، خلال عرض عسكري أقامه في الشهر نفسه، ظهرت خلاله ثلاثة أنواع من الطائرات الإيرانية من دون طيار، النوع الأول هو طائرة هجومية من دون طيار تطابق في تصميمها الطائرات الإيرانية الصنع “مهاجر-6″، وتحمل على متنها صاروخين مضادين للدروع، أما النوع الثاني فهو طائرة استطلاعية من دون طيار، يبدو تصميمها قريباً جداً من طائرات “أبابيل-3” الإيرانية الصنع. النوع الثالث هو طائرات “سفير” الاستطلاعية الصغيرة، وهو ما يمكن اعتباره مؤشراً على اعتماد وحدات الحشد الشعبي، على مستوى القوة الصاروخية، للتكتيك المختلط الذي تتبعه أيضاً حركة أنصار الله في اليمن، والذي يتم الجمع فيه بين القدرات الصاروخية والطائرات من دون طيار، لتنفيذ هجمات مركبة.

مستوى جديد لاستخدام الطائرات من دون طيار
في الحادي والثلاثين من تموز/يوليو الماضي، تعرّضت ناقلة النفط “ميرسير ستريت”، المملوكة في الأصل لشركة يابانية، لكن تستأجرها مؤسسة “زودياك” الملاحية، التي يملكها رجل الأعمال الإسرائيلي إيال عوفر، لهجوم جوي قبالة ساحل عمان، ما أدى إلى تضرر جانب من قمرة القيادة الخاصة بها، ومقتل شخصين.

أهمية هذا الحادث – إلى جانب أنه يُعَدّ الحادث الأول من نوعه الذي يسفر عن خسائر بشرية – تمثلت في أن وسيلة الهجوم على السفينة لم تكن بحرية أو برية، بل كانت ذخيرة جوالة من دون طيار، أصابت هدفها بشكل دقيق، لتمثّل بذلك سابقة أولى في تاريخ الحوادث البحرية، حيث لم يسبق استخدام الطائرات من دون طيار في أي هجمات بحرية على الإطلاق.

ظل الجدل مُثاراً حول ماهية هذه الذخيرة الجوالة، خاصة بعد أن اتهمت “إسرائيل” طهران بشكل صريح بالمسؤولية عن هذا الهجوم، لكن بدأ بعض الدلائل الذي يرجّح ضلوع طهران في هذا الهجوم بالظهور تدريجياً، من بينه تطابق الأثر التدميري الذي أصاب الناقلة الإسرائيلية مع الأضرار التي أصابت منشآت شركة “أرامكو” السعودية في أيلول/ سبتمبر 2019.

تكشّفت ماهية الذخيرة الجوالة التي تم استخدامها في هذا الهجوم بشكل أكبر بعد أن تمكنت البحرية الأميركية من جمع بقايا الذخيرة التي تم استخدامها، خاصة جنيحات ضبط التوازن التي تكون على طرفي جناحي الذخيرة الجوالة، واتضح من مقارنة هذه البقايا بذخائر مماثلة من صنع إيراني، أنها تعود في الغالب للذخيرة الجوالة الإيرانية “شاهد-136″، التي ظهرت للمرة الأولى في يناير/كانون الثاني 2021 خلال مناورات “الرسول الأعظم – 15” التي نفّذها حرس الثورة الإيراني في عدة مناطق بجنوب إيران أوائل العام الحالي.

الأكيد أن هذا النوع من الذخائر يتّسم بدقة كبيرة في ضوء نتائج الضربة التي أصابت الناقلة الإسرائيلية، حيث أُصيبت قمرة القيادة إصابة مباشرة ومؤثرة. اللافت هنا أن ذخائر “شاهد-136” تمت تجربتها خلال المناورات الإيرانية السالفة الذكر من دون الإشارة إلى اسمها، على عكس بقية المنظومات التي تم استخدامها خلال هذه المناورات، بما في ذلك أنواع أخرى من الذخائر الجوالة مثل “أراش”، وهي في الأساس طائرة هدفية لتدريب الدفاع الجوي، تم تحويرها منذ سنوات لتصبح بمثابة ذخيرة جوالة تصطدم بالهدف مباشرة، ومزودة بآلية إطلاق مشابهة لآلية إطلاق الذخائر الجوالة الإسرائيلية الصنع “هاروب”.

هذه الحادثة بالتحديد، ومن قبلها مناورات “الرسول الأعظم – 15″، جعلت الأوساط العسكرية الإسرائيلية تحذر بشكل واضح من أن الخشية لم تعد فقط من تدفق الصواريخ من عدة اتجاهات نحو فلسطين المحتلة خلال أي مواجهة عسكرية، بل أيضاً من دخول التقنيات الإيرانية المسيّرة عصراً جديداً أساسه طول المدى العملياتي وزيادة القدرة التدميرية، وتحسين دقة الاستهداف والرصد، وهذا يعتبر نتاجاً لأنشطة الوحدة 340 التابعة لقوة القدس، التى تتولّى منذ سنوات عمليات تطوير هذه التقنيات، التي يضع المخطط العسكري الإسرائيلي أمام ناظريه احتمالية انتقالها إلى اليمن ولبنان وغزة والعراق، بشكل يجعل تل أبيب فعلياً أمام ميادين متعددة للقتال، تفرض عليه مستقبلاً التغيير الشامل لاستراتيجيته العسكرية المبنية بشكل أساسي على الاستعداد لمواجهة الجيوش النظامية التقليدية.

المصدر / الميادين نت

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق